مقالات رأي

الأستاذ نادر الخماسي يكتب: كيف يحمي القانون الزوجة ضحية العنف الجنسي؟

بقلم الأستاذ نادر الخماسي: محام وباحث في القانون

تعتبر العلاقات الجنسية من بين المسائل التي يصعب تناولها والحديث فيها بدقة وبحرية تامة خصوصا في مجتمعاتنا العربية، ورغم أهمية هاته العلاقات ومدى تأثيرها على الأفراد الا أنها لم تلقى إحاطة قانونية واضحة وجلية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك أن المشرع التونسي إلى حد أوت 2017 لم يستعمل مصطلح ” الاغتصاب”، كما أنه لم يدقق مسألة العلاقات الجنسية بين الزوجين والتي يسبب الجهل بمحتواها عديدا من الإشكاليات المطروحة خصوصا فيما يتعلق بمدى القول والإقرار بحق الزوج أو الزوجة كذلك بممارسة علاقة جنسية خارج وضد رغبة الطرف الآخر، وهل يحق القول أن إتيان هكذا فعل يعد جريمة رغم ممارستها في إطار ما يسمى بشرعية الزواج؟!

في الحقيقة لا تتوفّر في تونس إحصائيات جدية عن حالات الاغتصاب الزوجي باستثناء نتائج تحقيق كان أجراها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري سنة 2010 أظهرت أن ٪14٫2 من النساء يعترفن بأنهن تعرضن للعنف الجنسي من قبل شركائهن مرة على الأقل. وتصدّر إجبار الزوجة على الجماع أنواع العنف الجنسي بنسبة ٪10٫9 مقابل ٪5٫5 من النساء يجبرن على وضعيات جنسية لا ترضيهنّ في حين بلغت نسبة النساء اللاتي يقع تعنيفهن ثم إجبارهن على الجماع ٪3٫9.

ورغم وجود هاته الارقام التي تعتبر مرتفعة نوعا ما خصوصا وأنها اقتصرت على الحالات المصرح بها، الا أن أغلب الناس لا تعلم أن العلاقات الجنسية بين الزوجين منذ قانون 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة أصبحت منظمة بل وأن ارتكابها خارج إرادة الطرف الآخر يعد من قبيل جرائم الاغتصاب.

ويمكن تعريف الاغتصاب بأنه شكل من أشكال الاعتداء الجنسي، و يشمل الجماع غير المشروع مع شخص من دون ضد إرادته أو موافقته. عادةً ما ينطوي على اتصال جنسي دون موافقة من الشخص الآخر، بما في ذلك الايلاج عن طريق التهديد القوة العجز، أو الإيلاج الجنسي مع شخص غير قادر على إعطاء الموافقة، مثل الأطفال أو الأشخاص غير المؤهلين (المركز الوطني للسلوك الجنسي للشباب، 2003).

أما المفهوم الأكثر تداولا للاغتصاب فهو فعل فرض اعتداء جنسي على الآخر رغما لإرادته. ذلك من خلال استعمال العنف أو القوة أو التهديد بالأذى أو أشكال أخرى للإجبار.
هذا و لم يعرّف المشرع التونسي قبل صدور قانون 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، المقصود بالاغتصاب، بل لم يستعمل هذا المصطلح في المجلة الجزائية ولا في النصوص الخاصة واكتفى بالمواقعة لوصف هذا النوع من الجرائم.

لكن بموجب قانون أوت 2017 أدخل المشرّع لأول مرة مصطلح الاغتصاب للمنظومة الجزائية التونسية، وذلك بالفصل 227 جديد من المجلة الجزائية وعرّفه بكونه: “كل فعل يؤدي إلى إيلاج جنسي مهما كانت طبيعته والوسيلة المستعملة ضد أنثى أو ذكر دون رضاه “، ويفهم من ذلك أن المشرع اعتمد مفهوم موسع للاغتصاب.

وعموما قبل صدور قانون أوت 2017 كان هناك رأيين، الأول يعتبر أن ممارسة الجنس بالقوة بين الزوجين هو فعل مباح وله مُبررات في ذلك والرأي الثاني يعتبره جريمة تستوجب العقاب.

الرأي الأول: أسس موقفه على أن وجود الرابطة الزوجية تمنع من تتبع الزوج من أجل جريمة الفصل 227 من المجلة الجزائية اذا ما قام بمواقعة زوجته دون رضاها، لأن الوقائع في هاته الحالة تقع في نطاق الشرعية، وتبرير عقد الزواج لمواقعة الزوج زوجته ولو دون رضاها هي فكرة قديمة نجدها في التشريع الإسلامي الذي يعتبر أن “كل ما أحله الله لا ينقلب إلى الحرام أبدا”.

فالزواج مؤسسة نظمها القانون وضبط الحقوق والواجبات المنجرة عنها والقبول بالدخول في رابطة زوجية يعني حسب هذا الموقف القبول بالحقوق والواجبات المنجرة عنها، وبالتالي فإن الرضاء بالعلاقة الجنسية يصبح مفترضا بموجب الرضاء بالزواج. كما اعتمد هذا الرأي على عدم توفر النية الإجرامية في جانب الزوج.
ورغم هذا التوجه الفقهي إلا أن هناك بعض الاجتهادات القضائية التي أكدت على تجريم مثل هاته الممارسات. وكان صدر عن محكمة التعقيب قرار تعقيبي هام بتاريخ 05 / 12 / 1996 أقرّ معاقبة الزوج عندما يعتدي بفعل الفاحشة على زوجته كإتيانها من غير المكان الطبيعي دون رضاها وباستعمال القوة والعنف.

الرأي الثاني: اعتمد الصيغة الواسعة التي جاء بها الفصل 227 قديم من المجلة الجزائية، وقولهم في ذلك أن المشرّع التونسي لم يستثن من دائرة التجريم الصورة التي يكون فيها المعتدي زوجا للضحية ولو أراد ذلك لكان بصفة صريحة، فالاستثناء يجب أن يكون صريحا.
فالمشرع استعمل أسلوبا يتميز بالشمولية والعمومية، الأمر الذي يجعل العمل بهذا النص في عموميته.

وما يبرر هذا التوجه هو أن الزواج وإن كان يُعطي للزوج الحق في أن يجامع زوجته، إلا أن ذلك يجب أن يكون بطريقة بعيدة عن دائرة الاعتداءات الجنسية.

*بعد صدور قانون أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، هذا القانون جاء ليحمي المرأة من العنف المسلط ضدها مهما كان مرتكبوه وأيا كان مجاله حسب الفصل الثاني منه.

وقد عرّف الفصل الثالث المقصود بالعنف الجنسي وهو “كل فعل أو قول يهدف مرتكبه إلى إخضاع المرأة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية باستخدام العنف والإكراه أو التغرير أو الضغط وغيرها من الوسائل.. وذلك بغض النظر عن علاقة الفاعل بالضحية”.

وعموما وبعد انتظار طويل اقر القانون التونسي بصفة نهائية تجريم الاغتصاب بين الزوجين ويمكن أن يكون الاغتصاب واقعا على الزوج أو على الزوجة ففي كلتا الحالتين تعتبر الأفعال من قبيل جرائم الاغتصاب وذلك بإعتبار أن المشرع في تعريفه وتدقيقه لجريمة الاغتصاب اعتبره كل فعل يؤدي إلى إيلاج جنسي مهما كانت طبيعته والوسيلة المستعملة ضد أنثى أو ذكر دون رضاه.

هذا وتقوم جريمة الاغتصاب على ثلاثة عناصر هي: أولاً، الفعل المادي المتمثل بالجماع، ثانياً، الإكراه بالعنف والتهديد، وثالثاً، القصد الجرمي.

العنصر الأول: الفعل المادي المتمثل بالجماع:
يُقصد بالجماع الإتصال الجنسي الكامل بين رجل وامرأة، اتصالاً غير مشروع. وهو يعني التقاء الأعضاء التناسلية التقاءً طبيعياً، وسواء كان الاتصال كلياً أو جزئياً، وسواء بلغ المتهم شهوته أم لم يبلغها. ولا يُشترط أن يُرتّب الفعل تمزيق غشاء البكارة بل يكفي أن يكون له آثار على جسد الضحية وأنه تم ارتكابه ضد إرادة هذا الأخير.

العنصر الثاني: الإكراه بالعنف والتهديد لارتكاب جريمة الاغتصاب:
اشترط القانون الجزائي التونسي لقيام جريمة الاغتصاب أن يقع الجماع عن طريق الإكراه بالعنف والتهديد. ويُقسم الإكراه الى نوعين: مادي ومعنوي.
ويقوم الإكراه المادي على استعمال العنف إما باستعمال السلاح أو الضرب بأي وسيلة كانت، أما الإكراه المعنوي فلا يفترض وجود عنف جسدي على ضحية وإنما يكفي فقط التهديد قولا كأن يقوم الزوج مثلا بتهديد زوجته بالطلاق أو طردها من المسكن في صورة عدم ممارستها لعلاقة جنسية.

العنصر الثالث: القصد الجزائي:
تعتبر جريمة الاغتصاب من الجرائم العمدية التي تتطلب وجود القصد الجرمي، وهو يتمثل بإنصراف الإرادة الى ارتكاب الفعل وعلمه بأنه يُكره المجني عليها على الجماع والصلة الجنسية. ويعتبر استعمال القوة أو العنف أو التهديد قرينة على القصد الجرمي في أغلب الحالات.

وعموما ورغم تدخل القانون لحماية العلاقات الجنسية وتجريم ارتكابها ضد إرادة الطرف الآخر إلا أنه تبرز عديد الإشكاليات التطبيقية التي تحول دون إمكانية تدعيم هاته الحماية القانونية وخصوصاً فيما يتعلق بإثبات جريمة الاغتصاب، حيث لا يمكن من الناحية الفنية والعلمية إثبات المواقعة الا عن طريق الاختبار الطبي والذي له ضوابطه، حيث يفترض القيام به في آجال قصيرة حتى لا تتلاشى اثار الجريمة.

والحقيقة أن الضحية كثيرا ما تخشى رد فعل المجتمع وخصوصا عائلتها مما يجعلها تترد كثيرا في الدفاع عن نفسها وفضح هاته الممارسات، خصوصا وأن معاقبة الزوج سيكون من ناحيتين من ناحية جزائية فإنه سيكون تحت طائلة العقاب البدني. و من ناحية أخرى سيكون للزوجة حق في طلب الطلاق للضرر والحكم لصالحها بتعويضات مادية ومعنوية سواء عند الطلاق أو عند تسليط العقوبات على الزوج عند قيامها بالحق الشخصي.

حقائق أون لاين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!