مقالات رأيوطنيّة

ثالوث 25 جويلية: الاستئصاليون، الأنصار والمتهافتون… بقلم: حمادي الرديسي

ميديا بلوس-تونس- تحمّس لقرارات 25 جويلية  كم هائل من الناس يمكن حشدهم في ثلاث مجموعات هم الاستئصاليون والأنصار والمتهافتون. هم مجموعات غير متجانسة تتفق وتختلف، تتلاقح، تلتقى الى حد التماثل  بينها  وتتباعد الى حد التنافر خاصة أن القرارات الأولى تلتها أخرى جعلت العديد يتراجع عن المساندة العفوية الأولى.  وهي وجوه نموذجية بمفهوم ماكس فيبر (idéal-type)، أي أنها صورة ذهنية لا تعبر عن واقع  بعينه كما يتطابق المفهوم على الشيء الذي يرمز اليه بل إن الوجوه تتقاطع مع الواقع دون اختزاله. فالواقع أثرى ولكن الصورة الذهنية أبلغ.

أولا. الاستئصاليون: يرى الاستئصالي في 25 جويلية فرصة جديدة للتخلص من الإسلاميين مهما كان الثمن حتى على حساب حريته وبأية وسيلة كانت شرعية أو غير شرعية، بما في ذلك اقصاء الإسلام السياسي من الحياة السياسية وسجن زعمائه وربما بالنسبة للبعض أكثر من ذلك. هم لا يبالون بالفصل 80 وليس لهم هوس احترام الاجراءات. والاستئصاليون أنواع. وغضبهم لا ينفد. منهم  من يحمّل الخوانجية مسؤولية «عشرية الخراب» ومنهم من لا يؤمن بالثورة اطلاقا، وربما هناك منهم  من لم يشارك في أية انتخابات. وفيهم الحداثي. وهم أنواع. منهم العلماني الليبرالي المدافع عن حق الجميع في الوجود وفيهم الاستئصالي التسلّطي الذي يريد قطع دابر الاسلاميين. وفيهم الذي يعتقد في ديمقراطية دون إسلاميين عملا بشعار «لا حرية لأعداء الحرية» ولم يتعظ  بدرس 7 نوفمر 1987. وقد يكون الاستئصالي مواطنا عاديا، كما يعادي المتدين المحافظ  والمتصوف وممثل إسلام الدولة الإسلام السياسي الذين يرون فيه هرطقة  وتشددا. وهذه الأنماط تكفي. يساند الاستئصاليون 25  جويلية شريطة أن يخلّصهم  سعيّد من الإسلاميين فقط. ويسحبون المساندة كلما اقترب منهم. لذلك تكون المعاداة للإسلاميين ورقة  سياسية مربحة،  تقاس بها الشعبية. تصعد أسهم سعيد في سبر الآراء بقدر ما يضيق (لا غير)  على الإسلاميين لامتصاص نقمة الاستئصاليين.

ثانيا، الأنصار. خلافا للاستئصالي المهموس بإقصاء النهضة لا غير، ينحاز لقيس رأسا ولا لغيره. ما يميزه هو نصرة الرئيس لشخص الرئيس. وهو متقبل لكل قراراته ولا يشك في قدراته. خاصيته المميزة الولاء المطلق. لا يلتزم بمنظومة 25 الا لأنها من وحي الرئيس. وله أن يستبدلها لو شاء. لا يؤمن بنظام  قائم ولا بدولة. لا يبالي بالقانون  ولا يعبأ بسياسيين. يكره الأحزاب وينكل بكل من ينتقد الرئيس. هو كائن غريب ظهر على حين غرة خلال الحملة الانتخابية في ثوب شاب يتلهى بالشبكة العنكبوتية قبل أن يثبّت عوده ليقول لنا: أنا انتسب الى نواة «أنصار قيس سعيد» (ما يقارب 30 صفحة ومجموعة فايسبوكية، و120 أدمين وجمهورا بالملايين) «،  تعمل منذ  2011 تحت جنح الظلام ، تترصد هذه اللحظة التاريخية للتخلص من النظام التمثيلي (أي الديمقراطي) لإرساء فوضى عارمة. هذه هي السردية السريالية التي تنبئ بالجمهورية الجديدة. وهي تشكل خطرا على  العيش المشترك. هنالك درجات في النصرة. أهمها بعد الكائن الغريب يأتي مستشار الأمير. ويتجسد الدور في رجال القانون الذي دخلوا  هكذا في سجال مع مراهقي فايسبوك حول  البناء القاعدي. وكثيرا منهم يدلي بنصائحه عبر فايسبوك  يأسا من مقابلة الرئيس. ولم نقرأ  لهؤلاء ولو مقالة علمية جدية في الموضوع. وأيضا مثقفون تجرّأ بعضهم  على مقارنته بديغول ونابوليون  والدالاي لاما. وقال بعضهم ما قالت العامة من إمامة المفضول على الأفضل (ترجمتها «هو خير من غيره»). ويأتي في الدرجة الأخيرة  خلف الخلف. أناس عاديون، يغفر لهم. ومنهم الصالح والطالح، وحسب سبر الآراء فيهم الشباب والكهول والمتعلمين، والنسوة وكل من لم يفقد الثقة في شخص  الرئيس  الصدوق ومن لم ير غيره لو جرت الانتخابات، ان جرت.

ثالثا، المتهافتون.  خلافا للمناصر الموالي رأسا لسعيد، يناقض المتهافت نفسه باستمرار. لا يستقر على أمر. هو سياسي محترف. أو متحمّس مغرم، أو مثقف فضولي أو «نفس مومنة»، مواطن صالح غيور. كل منهم غيّر رأيه عندما خاب أمله في ما ترتب عن 25 جويلية من «هزّان ونفضان». أكبر متهافت هو السياسي الذي  بايع 25 ظنا منه أن التخلص من النهضة بطريقة غير دستورية يتيح الفرصة لإعادة توزيع الأوراق بشكل  قد يكون له فيها نصيب اما عبر انتخابات سابقة لأوانها أو عبر صيغة أخرى. اعتقد المتهافت أن سعيد مدير أعمال لصالح الغير أو «محلل» زواج المطلقة بثلاث.  هذا ما اعتقد الجميع في قيس سعيد بمن فيهم النهضة في انتخابات 2019. أو أنه يرد الاحسان بالإحسان. فتسارع جلهم  للقول إن 25 هو الحل قبل أن تتبخر آمالهم. يبارك المتهافت جويلية 25  ويرفض 22 سبتمر. يقبل بـ 22 ويرفض رزنامة 13 ديسمبر. يقبل بـ13 ويرفض حل البرلمان. يقبل بحل البرلمان ولا يريد الغاء الدستور. يقبل بالغائه ولا يريد تحوير القانون الانتخابي. وفيه أنواع أخرى. ممّن يقبل بالمنظومة قطعة لف الى من يطالب بالحوار. وفي الحوار أنواع. من لا يقبله مع جماعة ما قبل 25 والخونة وباعة ضمائرهم والمتمسّحين على أعتاب السفارات والمناوئين والطامعين و»الخمّاج». وفيه من يقصي الإسلاميين فقط. وفي الحوار من لا يقصي الا من أقصى نفسه. وفي محتوى الحوار أخذ ورد. فيه الذين يريدون تحديد محتواه ومخرجاته وفيه القابلون بالمشاركة بالطلوق أي بالحضور الصوري في أي حوار. وفيه من لم يكن شيئا ويعول على الحوار ليصبح شيئا ما ومن يرفض ان تكون الاستشارة الالكترونية قاعدة ويلوح بمقاطعة الانتخابات وقد يشارك فيها لو نجح الاستفتاء. وفي الجماعة من يعتبر مكالمة هاتفية حوارا.  ومن لم ييأس ومن هو غاضب. كل هذا مدعاة للحزن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!