مقالات رأي

مع أقوال كثيرة جدا وأفعال غائبة وغموض يتعمق: هل استطاع قيس سعيد الإجابة عن أسئلة وفود الدول المؤثرة مباشرة في مصالحنا؟

عشرون عاما مرت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
يوم هز العالم كله بحدث زلزله من أقصاه إلى أقصاه. كان الخبر الأول يومها اصطدام طائرة بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي بنيويورك. الخبر وصل إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بينما كان في زيارة لمدرسة بولاية فلوريدا على أنه حادث اصدام طائرة ما بالبرج ولم يتوقع الحاضرون في مكان الحادث وقتها وهم يشاهدون اللهب المتصاعد من البرج الشمالي انهم يعيشون الشرارة الأولى لأحداث بدأت ولم تتوقف إلى يوم الناس هذا ومازالت تداعياتها تتواتر.
تأكد بعد ذلك أن الهجمات فعل مخطط له بعد ارتطام طائرة ثانية بالبرج الجنوبي ثم انفجار ثالثة بعد تحطمها على واجهة مبنى وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون ثم تم الإعلان عن اختطاف طائرة رابعة سقطت أو أسقطت قبل أن تصل إلى هدفها الذي قيل انه مبنى الكابتول أو البرلمان الأمريكي.
هنا علم الجميع ان “أمريكا تتعرض إلى هجوم” كما قيل لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية في تحيين للمعلومة الأولى وتم اتخاذ قرار بمنع إقلاع كل الطائرات وايقاف الحركة الجوية ونقل الرئيس إلى مكان آمن حتى تتضح الأمور حيث نصح بعدم العودة لواشنطن واستجاب.
ضربات متتالية انطلقت قبيل التاسعة من صباح يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 ادت إلى خسائر بشرية رهيبة في موقع الحادث والاف الجرحى والمرضى من غبار الانهيار وتبعات يصعب حصرها اذهلت العالم وصدمت أمريكا وتركت فاتورة ثقيلة جدا دفع العالم كله نصيبه منها ومازال يدفع كل حسب دوره في مشهد ما بعد 9-11.
يومها كانت تونس تحتفي بتنظيم دورة الألعاب المتوسطية وبافتتاح القرية الاولمبية وتدشين ملعب رادس وتحاول ان تغتنم الحدث الرياضي لتحقق مكاسب تفيد صورتها في العالم لكن زلزال نيويورك حكم على احتفالات تونس بالصمت وحكم على ان تقام مراسم تسليم الميداليات للابطال في خشوع.
وخرج جورج بوش الابن يوم الأحداث إلى العالم ليلا ليفرض منطقا ارتبط به بعدها “من لم يكن معنا في حربنا فهو ضدنا” ثم توجه إلى الكونغرس يطلب تفويضا بصلاحيات واسعة جدا لم يكن يحتاجه وفق القانون الأمريكي لكنه أصر على أن يناله فكان له ذلك وتم التصويت على القانون 107-40 والذي ينص على :
“التفويض باستخدام القوة العسكرية –
يصرح للرئيس باستخدام كل القوة اللازمة والمناسبة ضد تلك الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين يحدد انهم خططوا أو سمح لهم أو ارتكبوا أو ساعدوا في الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر / أيلول 2001 أو آوت مثل هذه المنظمات أو الأشخاص ، من أجل منع أي أعمال إرهابية دولية مستقبلية ضد الولايات المتحدة من قبل هذه الدول أو المنظمات أو الأشخاص.
ينص على أن هذا القانون يهدف إلى تشكيل تفويض قانوني محدد بالمعنى المقصود في قرار سلطات الحرب.”
هذا القانون عارضته عضو كونغرس وحيدة تدعى “باربارا لي” عن الحزب الديمقراطي وتعرضت من أجل ذلك التصويت اليتيم إلى حملات تخوين عنيفة جدا. وتقول باربارا انها اتخذت قرارها ذاك عند حضورها مراسم تأبين ضحايا الأحداث حيث نبهتها كلمات قس اسمه “ناتان باكستر” يبدو أن باقي الحاضرين لم يلقوا لخطابه بالا حيث قال:
” يجب أن لا نصبح نحن الشر الذي نندد به الآن هنا”
بعد عشرين سنة ومع انسحاب أمريكا من افغانستان وعودة طالبان لحكم كابل وبعد كل الحروب التي خاضتها أمريكا باسم الحرب على الإرهاب نتذكر موقف “باربارا لي” ونتساءل أن كان ممكنا وقتها ان يعلو صوتها اكثر.
يراجع الامريكان استراتيجيتهم بعد الحادي عشر من سبتمبر في العالم ويقيمون الخسائر في الأرواح والاموال وجرحى الحروب الذين يكلفون الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من كلفة الحروب ذاتها.
هل نجح ذلك القانون في الانتقام لأمريكا؟ هل حقق ذلك التفويض الواسع العدالة ؟ هل أصبح العالم أكثر أمنا بنشر الجيش الأمريكي في العالم ومطاردة “الأشرار” ؟
يحاول السيناتور الامريكي الديمقراطي كريس مورفي ان يجيب فيقول انه لا يؤمن باستراتيجية نشر الجيش الأمريكي في العالم وانه عاين من خلال زيارته الأخيرة إلى المنطقة أن قتل إرهابي على يد الجيش الامريكي في افغانستان ينتج اثنين جديدين في باكستان. وفي حوار في الكونغرس يوم 14 سبتمبر الحالي وجه عضو الكونغرس كريس مورفي إلى وزير الخارجية الأمريكي بلينكن عددا من الأسئلة طلب فيها اجوية محددة بنعم أو بلا كانت الغاية منها تحديد ما هو ممكن لأمريكا فعله وما لا يمكنها فعله وما هو تحت سيطرتها وماهو خارج عن سيطرتها.
من المؤكد ان التحركات المكثفة لأعضاء الكونغرس الأمريكي مؤخرا وخصوصا كريس مورفي رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ يأتي في إطار مراجعة السياسة الأمريكية في المنطقة ودور الكونغرس في ذلك.
ولنفهم إلى أين تسير الأمور يجب أن نفهم توجهات الرجل وفي أي إطار تأتي زيارته للمنطقة عموما ولتونس خاصة.
كريس مورفي يلخص فكرة يتقاسمها الديمقراطيون في الكونغرس مع إدارة بايدن وهي ان بلاده انفقت المليارات ووسّعت وجودها العسكري في الشرق الأوسط وأن “ثمار ذلك لم تعد ضرورية بالنسبة للولايات المتحدة” وانه بعد الهجمة الصادمة على الكونغرس من الرافضين العنيفين لنتائج الانتخابات الرئاسية بعيد خسارة ترامب وخروجه من البيت الأبيض بالانتخابات فإن من رسائل أمريكا الاساسية للعالم “نشر مبادئ الديمقراطية”.
الرئيس الأمريكي كان قد أعلن منذ شهر ماي الماضي عن ميزانية خرافية بستة تريليون دولار خصصت منها ما يزيد عن 197 مليون دولار لتونس وكانت بذلت جهود دبلوماسية ليتم الترفيع فيها لولا تغير الأوضاع في تونس بعد 25 جويلية حيث تطور القلق منذ ذلك التاريخ إلى قناعة بعدم إمكانية الحوار مع الرئيس التونسي قيس سعيد الذي يصر على تفسير أمور لا يفهمها العقل الأمريكي والغربي بصفة عامة.
لا يفهمونها من منطلق انهم يتحدثون لغة استجابة لشروط غير قابلة لإعادة الاختراع. فلا يمكن مثلا ترسيم دعم لدولة بلا برلمان فحتى الحكومات السابقة التي حازت على ثقة البرلمان لم يكن يمكنها ان تفعّل الدعم الا بقانون يصادق عليه البرلمان. وهذا شرط لا بديل عنه ولا تفاوض حوله.
الوفود التي تحولت إلى قرطاج كانت تبحث عن أجوبة للأسئلة التالية :
لماذا علينا ان نقف إلى جانب تونس؟
لماذا علينا أن نستثمر في ديمقراطية تونس ؟
لماذا علينا ان نشجع على الاستثمار في تونس؟
هذه الأسئلة كانت تحتاج ليتمكن الرئيس التونسي قيس سعيد من الرد عليها إلى وضوح في الرؤية والى خطاب ايجابي والى حلول داخل المقاييس التي يفهمها العالم لا خارجها.
اصرار الرئيس التونسي على الرغبة في تطويع الوفود التي تزوره إلى نواميس قرطاج الخاصة رسخت قناعة لدى من جاء ليعاين ان الأقوال كثيرة جدا وان الأفعال غائبة. ولعل الإشارات المتعددة في تعاليق الزوار حول طول المحاضرات وتشديد تعليمات البروتوكول وطقوس التصوير تصل إلى حد التعبير عن الانزعاج المؤدب واليأس.
تطورت الأمور وتسارعت في تونس بعد زيارة وفد الكونغرس ثم صدور بيان السفارة الأمريكية في نفس الليلة تلاها صدور بيان الدول الكبار السبعة ثم زيارة جوزيب بورال الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية وتلاوته بيانه المكتوب من قصر قرطاج.
وكل ما حدث يصب في اتجاه واحد هو عكس توجهات الرئيس التونسي المعلنة وهو مؤشر مقلق جدا تزيده التصريحات القادمة من قرطاج توترا. ولأن الأمور مع الدول المؤثرة مباشرة في مصالحنا لها عين على ليبيا انطلاقا من تونس كان يجب أن يكون اهتمام تونس بعلاقاتها مع ليبيا على رأس سلم أولويات قرطاج لكن من الواضح أن العكس تماما هو ما يحصل وان العلاقات التاريخية الحيوية بين ليبيا وتونس هي الآن في مهب رياح الإشاعات والمزايدات والتعالي.
ان ارتباط مصير تونس ومستقبلها بما يحدث في العالم لا يحتاج اطروحة بل يحتاج أن ننظر فقط إلى تاريخها وتاريخ العالم معها.
قد لا يكون الوقت انتهى تماما فالفعل العقلاني الخالي من الاجتهاد المبالغ فيه يمكن أن يعطي مؤشرات إيجابية ولعل الوضع الفرنسي المقبل على انتخابات رئاسية خلال ستة أشهر يتيح لتونس فرصة لاتخاذ مسافة من حروب المحاور والانحياز التام للمصلحة الوطنية.

مقال لمحمد نضال باطيني  نشر في جريدة “الرأي العام” الصادرة الخميس 16 سبتمبر 2021

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!