مقالات رأي

“عندما يكون المسار الديمقراطي محرار نجاح علاقاتنا مع المجتمع الدولي”

مرة أخرى ومع توافد البعثات من مختلف الدول إلى قصر قرطاج بالذات يتكرر الجدل حول التدخل الأجنبي كل بما يراه.
العنوان الذي يضع تحته بعضهم طرحه جذاب ومبدئي جدا ” لا للتدخل الأجنبي … السيادة الوطنية ” …
هذا العنوان يشبه إلى حد ما عنوانا آخر لا يقل عن الأول جاذبية ” لا لحكم الفرد فالديمقراطية خط أحمر ” ثم تتغير الألوان بتغير المصالح.
هذه العناوين وغيرها لا تأثير لها في العلاقات الدولية التي تحكمها “المصالح” وهي الكلمة المفتاح في هذا الصدد وحتى علاقاتنا بأشقاء العرب انقسمت للأسف إلى صفين أو أكثر لأن مصالحهم معنا مختلفة ولأن الأشقاء العرب وضعوا بين قوسين حتى تستعيد الجامعة العربية روحا فارقت جسدها منذ سنين وهي جامعة ترأس دورتها تونس حاليا.
“المحدد في علاقاتنا الدولية هو مصلحة تونس” كان شعار الدبلوماسية التونسية لعقود طويلة زمن بورقيبة وكثيرون يذكرون خطاب البالماريوم الشهير في 15 ديسمبر 1972 وتدخل بورقيبة لقطع محاضرة القذافي بقوله ” اي ومبعد ماتقول طز في أمريكا؟ اش يصير؟ تاكل طريحة!” …
قد لا نكون في 2021 بنفس منطق سبعينيات وثمانينات القرن الماضي وقد لا تكون “الطريحة” المقصودة عسكرية إنما بشكل آخر.
لكن السؤال المطروح ماهي مصلحة أمريكا؟ وفيما تتعارض مع مصلحة تونس ؟
لنتفق أولا أن كل من يعمل ضد مصلحة وطنه يقف في الصف الخاطئ ويحتاج ان يراجع نفسه إذا كان واعيا بما يفعله طبعا.
قد لا يمكننا بالتحديد الجزم بمصلحة الوفد الإماراتي أو السعودي أو المصري أو البحريني الذين زاروا تونس مؤخرا لأن هؤلاء كلهم بمقياس ما أشقاء عرب تدخلهم تاريخيا محدود في مصالح تونس وتأثيرهم الإيجابي كذلك محدود جدا.
اما الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والاتحاد الأوروبي والجزائر وليبيا فهي دول تمثل محيطا اقليميا ودوليا حيويا لمصالح تونس وهي دول مقياس لمدى نجاح استراتيجية حكام تونس الخارجية.
هذه الدول لها رؤية لتونس تضمن من خلالها مصالحها في المنطقة أولا وفي تونس ثانيا وهي “مستعدة لدعم تونس وشعبها وتجربتها الديمقراطية” حسب تصريحاتها المعلنة والملزمة للدول التي تحترم مواقفها لذلك ليس من السهل اقناعها بتغييرها.
مواقف هذه الدول تدرس بدقة ولا تجدي المحاضرات الطويلة نفعا لتغييرها بل هي مؤشر عدم فهم وقدرة على التعامل معها كما لا تجدي معها ألوان وضروب المساندة والمناشدة الفلكلورية الشعبية أو الإعلامية.
يحتاج التفاوض مع هذه الدول إلى فهم لغتها القائمة على التطابق مع معاييرها والمعايير الدولية شكلا ومضمونا في البداية واي حياد عن هذه المعايير يستدعي بالضرورة إصلاحا عمليا موثقا وفق معاييرها المتعارف عليها بين الدول حتى يمكن لهذه الدول ابرام اي تعاقد كان معنا. الموضوع ليس إرادة الحاكم عندهم إنما احترامه لمبادئهم.
يببدو أن أحد هذه العناوين التي لم يفلح قيس سعيد على ما يبدو في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية به هو “كيف تكون تونس تعيش ديمقراطية ببرلمان مغلق بواسطة دبابة عسكرية” أو كيف يمكن للسلطة التنفيذية ان تتدخل لفرض نظام ما داخل البرلمان أو تشكيله وفق ما تراه.
هذه أمور لا تستجيب لادنى معايير الديمقراطية كما يعرفها العالم الذي اخترعها وهي مفاهيم لا تقبل التفلسف عندهم.
الحكومة المنتظرة أيضا لا يمكن أن تعبر عن إرادة شخص بل يجب أن تمتلك تفويضا شعبيا برلمانيا بالمعايير الدولية لا على شاكلة تفويض الأفلام ذات الاخراج المصري.
فمهما حصل من تظاهر في شوارع فرنسا لم يقفل جماعة السترات الصفراء البرلمان ولا أغلقت مظاهرات أنصار ترامب الكونغرس وان اقتحمته اصلا.
بعض فتاوى البلاط الصادرة من أطراف سياسية وزنها محدود بالشارع تشير على الرئيس بحل أحزاب أو إسقاط قائمات وهو أيضا تدخل في شؤون هيئة دستورية مستقلة إذا رأت ان هناك خروقا تطبق في شأنها القانون دون ضغط من أحد وهو تدخل محرم كما نسي اصحاب الفتاوى ان من بين من شهد بنزاهة الانتخابات التي يسعون لنقضها كان المجتمع الدولي ولا يمكنه الآن مناقضة نفسه ولا الطعن في ما شهد بسلامته ونزاهته بل واشاد بذلك.
الانقلاب في مأزق لأنه لا يبحث عن حلول ديمقراطية يفهمها العالم المتحضر الذي تربطنا به مصالح كبيرة لا يمكن العبث بها من طرف مسؤول.
والحلول موجودة إذا ابتعد الرئيس عن مشورة الاستئصاليين والاقصائيين والمغامرين الذين لا مسؤولية لهم في الدولة ولن تجد لهم اثرا يوم الحساب.
من جهة أخرى فالانتخابات وان اعيدت الآن لن تخدم مصالحهم الصغيرة لأنها سوف تفاجؤهم برواية تناقض ما يتعبون انفسهم لفرضه على عالم لا يفهم ما معنى “معيز يطيرو”.
مقال لمحمد نضال باطيني نشر في جريدة الرأي العام
Peut être une image de texte

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!