مقالات رأي

لعبة المصالح الدولية ومأزق الإنقلاب في تونس

مرة أخرى ومع توافد البعثات من مختلف الدول إلى قصر قرطاج بالذات يتكرر الجدل حول التدخل الأجنبي كل بما يراه.
العنوان جذاب ومبدئي جدا ” لا للتدخل الأجنبي … السيادة الوطنية ” عنوان يشبه إلى حد ما ” لا لحكم الفرد الديمقراطية خط أحمر ” ثم تتغير الألوان بتغير المصالح.
المصالح هي الكلمة المفتاح التي تحكم العلاقات الدولية وحتى الأشقاء العرب انقسموا للأسف إلى صفين أو أكثر لأن مصالح أشقائنا معنا مختلفة.
المحدد هو مصلحة تونس كان شعار الدبلوماسية التونسية لعقود طويلة زمن بورقيبة وكثيرون يذكرون خطاب البالماريوم الشهير وتدخل بورقيبة لقطع محاضرة القذافي بقوله ” اي ومبعد ماتقول طز في أمريكا؟ اش يصير؟ تاكل طريحة!” …
قد لا نكون في 2021 بنفس منطق ثمانينات القرن الماضي وقد لا تكون الطريحة المقصودة عسكرية إنما بوجوه أخرى.
لكن السؤال المطروح ماهي مصلحة أمريكا؟ وفيما تتعارض مع مصلحة تونس ؟
لنتفق أولا أن كل من يعمل ضد مصلحة وطنه يقف في الصف الخاطئ ويحتاج ان يراجع نفسه إذا كان واعيا بما يفعله طبعا.
قد لا يمكننا بالتحديد الجزم بمصلحة الوفد الإماراتي أو السعودي أو المصري أو البحريني الذين زاروا تونس مؤخرا لأن هؤلاء كلهم بمقياس ما أشقاء عرب تدخلهم تاريخيا محدود في مصالح تونس وتأثيرهم الإيجابي كذلك.
اما الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والاتحاد الأوروبي والجزائر وليبيا فهي محيط اقليمي ودولي حيوي لمصالح تونس وهي دول مقياس لمدى نجاح استراتيجية حكام تونس الخارجية.
هذه الدول لها رؤية لتونس تضمن من خلالها مصالحها في المنطقة أولا وفي تونس ثانيا وهي مستعدة لدعم تونس وشعبها وتجربتها الديمقراطية حسب تصريحاتها المعلنة والملزمة للدول التي تحترم مواقفها لذلك ليس من السهل اقناعها بتغييرها.
مواقف هذه الدول تدرس بدقة ولا تجدي المحاضرات الطويلة نفعا لتغييرها بل هي مؤشر عدم فهم وقدرة على التعامل معها. يحتاج التفاوض مع هذه الدول إلى فهم لغتها القائمة على التطابق مع معاييرها والمعايير الدولية شكلا ومضمونا في البداية واي حياد عن هذه المعايير يستدعي بالضرورة إصلاحا حتى يمكن لهذه الدول ابرام اي تعاقد كان معنا. الموضوع ليس إرادة الحاكم عندهم إنما احترامه لمبادئهم.
أحد هذه العناوين التي لم يفلح قيس سعيد على ما يبدو في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية على الخصوص به هو كيف تكون ديمقراطية ببرلمان مغلق بدبابة أو كيف يمكن للسلطة التنفيذية التدخل لفرض نظام ما داخل البرلمان وتشكيله وفق ما تراه. وهو أمر لا يستجيب لادنى معايير الديمقراطية في العالم الذي اخترعها.
الحكومة أيضا لا يمكن أن تعبر عن إرادة شخص بل يجب أن تمتلك تفويضا شعبيا برلمانيا بالمعايير الدولية لا على شاكلة تفويض الأفلام ذات الاخراج المصري فمهما حصل من تظاهر في شوارع فرنسا لم يقفل جماعة السترات الصفراء البرلمان ولا أغلقت مظاهرات أنصار ترامب الكونغرس وان اقتحمته اصلا.
بعض فتاوى البلاط الصادرة من أطراف سياسية وزنها محدود بالشارع تشير على الرئيس بحل أحزاب أو إسقاط قائمات هو أيضا تدخل محرم في الديمقراطيات في شؤون هيئة دستورية مستقلة إذا رأت ان هناك خروقا تطبق في شأنها القانون دون ضغط من أحد ونسي هؤلاء ان من بين من شهد بنزاهة الانتخابات المجتمع الدولي ولا يمكنه الآن مناقضة نفسه.
الانقلاب في مأزق لأنه لا يبحث عن حلول ديمقراطية يفهمها العالم المتحضر الذي تربطنا به مصالح كبيرة لا يمكن العبث بها من طرف مسؤول. والحلول موجودة إذا ابتعد الرئيس عن مشورة الاستئصاليين والاقصائيين والمغامرين الذين لا مسؤولية لهم في الدولة ولن تجد لهم اثرا يوم الحساب.
من جهة أخرى الانتخابات وان اعيدت الآن فلن تخدم مصالحهم الصغيرة لأنها سوف تفاجؤهم برواية تناقض ما يتعبون انفسهم لفرضه على عالم لا يفهم ما معنى “معيز يطيرو”.
 
محمد نضال باطيني
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!