مقالات رأي

صناعة الكذب: “التعويضات” للتشويش على الحكومة السياسية

مع غروب شمس اليوم الرابع عشر من شهر جانفي لسنة الفين واحد عشر ارتفعت أصوات الاعتذار والتوبة من كل المنابر تستعطف الثائرين المنتشين بهروب الدكتاتور.
وكان المستغفرون يومها يتوقعون برعب انتقاما يليق بما اقترفته أيديهم من جرائم في حق الشعب التونسي بجهاته المحرومة ومنظماته المدجنة واحزابه المشرّدة وأبنائه المقموعين.
لكن الضحايا قابلوا جلاديهم الذين يعرفونهم جيدا واحدا واحدا ويعرفون عنهم تفاصيل التفاصيل بخيار يليق بثورة أدهشت العالم سوف يكتب عنها التاريخ أن خياراتها كانت استثنائية و رحيمة.
الضحايا كانوا يعرفون منازل الجلادين بعناوينها وكانت يد الضحية يومها قادرة على الانتقام ببساطة وعنف لكن عقل الثورة كان استثنائيا في بحثه عن دولة القانون و كان قلب الثورة خاليا من الحقد وكانت يومها ذرة من حقد سنوات القمع كافية لتسيل أنهار من الدماء. وكتب التاريخ يومها أن تونس استثناء.
تونس كانت استثناء في الثورات التي عرفها العرب من عصور القومية وزعمائها إلى عام الربيع العربي حيث سالت الدماء من ليبيا إلى اليمن انهارا مرورا بمصر وسوريا.
كلمة السر في تونس كانت العدالة الإنتقالية وتطبيق القانون بالمصارحة والاعتذار ثم المصالحة مع جبر الأضرار.
لا شيء من هذا السيناريو تحقق بعد عشر سنوات فبقيت تقارير العدالة الإنتقالية حبرا على ورق واستمرت جلسات المحاكم تنعقد وترفع ولا جديد فيها يذكر ولا قديم يعاد.
في كل جلسة يقبل الضحية وتروى سردية الألم على القضاة العاجزين عن جلب المتهمين.
كان مشهدا غريبا في قضايا شكّل استخفاف المتهمين فيها بالقضاء قاسما مشتركا و استثناء عجيبا في تاريخ القضاء والامن التونسي حيث عجزت المنظومة التي كانت تأتي بالجنين من بطن أمه أن كانت صادرة في حقه بطاقة جلب و لم تتمكن من استنطاق اي من متهمي جرائم العدالة الإنتقالية في كل القضايا المرفوعة بدون استثناء تقريبا.
ليصل الحال في آخر جلسة لاحدى القضايا الشهيرة أن يحضر الجلسة ابن الزعيم صالح بن يوسف رحمه الله وحيدا لا يرافقه الا محاميه ولا يشهد الجلسة الا صحفي اجنبي يتيم في غياب كلي للإعلام الوطني.
لكن الفارق كان حضور رئيس مجلس شورى حركة النهضة عبد الكريم الهاروني الذي دعي للجلسة من طرف جمعيات حملت على عاتقها مواصلة الدفاع عن قضايا الضحايا من اليوسفيين إلى الإسلاميين مرورا باليساريين والنقابيين من ضحابا الدكتاتورية.
هده الجلسة وغيرها من الجلسات الاخيرة التي حضرها الهاروني جعلته يعاين أن هذا الملف يختنق بل يحتضر وقرر أن يتوجه به فورا إلى الحكومة التي يدعمها حزبه عله يجد لحقوق الضحايا أملا فاليأس قد ينزع الرحمة من الثورة وقد يطير بعقلها إلى سيناريوهات جاهلية أدرك النقابي القديم والحقوقي المتمرس عبد الكريم الهاروني انها خطر حقيقي فحذر منها الحكومة وطلب منها أخذ الملف بجدية أكبر فلم تسمع منه وخذلته.
كان مطلبه تفعيل صندوق الكرامة بدون تأخير وتفادي تجاوز الآجال القانونية التي تنتهي يوم 24 جوان 2021.
وتلقى الهاروني وعدا بشر به المعتصمين الذين غادروا القصبة يومها بعد ان نصبوا فيها خيامهم ليرابطوا بها لكنهم وثقوا بهذا الوعد.
وانتظر الهاروني من حكومته ردا لم يأت إلى أن جاء نبأ وفاة مناضل آخر هو محمد صالح الزايري رحمه الله الذي كان ينتظر العدالة الإنتقالية فزاره الموت قبلها وترك ابنا خلفه بين يدي دولة جاحدة ورث عن ابيه انتماء ولاشيء يسد رمقه.
هذا الخبر أعاد المعتصمين إلى القصبة وأعاد الهاروني إلى خطب الساحات التي يعرفها وتعرفه فحال بين الغاضبين وبين الحكومة بخطاب شديد اللهجة وأجل محدد جعل له رمزية وهو يوم 25 جويلية 2021 يوم عيد الحمهورية.
وقال الهاروني بالوضوح للغاضبين أمامه بوضوح أن شورى النهضة الذي سيعقد بعد يومين سوف يراجع العلاقة بالحكومة أن لم توفي بالتزاماتها القانونية في هذا الملف الوطني الحارق.
“تفعيل الصندوق” فهمه بعضهم فهما خبيثا بإيعاز خبيث من جوقة المستغفرين اولائك العائدين لذنبهم القديم.
فهموا أن الموضوع مليارات ستنفق على فئة يريدون لها أن تعتبر قادمة من كوكب آخر تنازعهم ميزانية الدولة التي استباحتها كل الطوائف الا طائفة المناضلين.
رغم أن المناضين اختاروا تأسيس قانون العدالة الانتقالية على إعفاء ميزانية الدولة من جبر الضرر وتمويل صندوق الكرامة من منظمات دولية مهمتها مرافقة البلدان الخارجة من الدكتاتورية بتفعيل آليات العدالة الانتقالية فلم يشفع لهم خيارهم من حملات التشويه والافتراء.
والحقيقة أن الميزانية المقدسة ليست مهددة بدفع فلس واحد للصندوق ولا الهبات الدولية يمكن أن تنفق في غير موضوع جبر الضرر ولا الهاروني ذكر اصلا لفظ التعويضات ولا مبالغ بالمليارات فمالذي أقام الدنيا ولم يقعدها؟
الإجابة في كواليس القصبة وفي تفاصيل بيان مجلس الشورى الذي انتفض على خيار فرض منذ الانتخابات اخرج النهضة من الحكم الفعلي.
الأزمة الأخيرة أحدثت فرزا كبيرا في مختلف فضاءات الحكم ولم يترك خيار الحكومة السياسية ساكنا الا وحركه ليصبح مشهد الاصطفافات واضحا داخل القصبة وداخل باردو وداخل التحالف الحكومي الجديد.
يبقى أن هناك تفصيل لم ينتبه له المتربصون بملف العدالة الإنتقالية حيث تأخرت ردة فعلهم الخبيثة وحصل الهاروني فعلا على ما أراد قبل انعقاد مجلس الشورى بيوم فالمراسلة المطلوبة والتي عبر عنها “بتفعيل صندوق الكرامة” غادرت القصبة ووصلت إلى البرلمان دون أن تكلف ميزانية الدولة المليارات المزعومة.
واصبحت الاصلاحات المنتظرة بالوزارات لضمان نهاية حقبة الانتهاكات جاهزة وسيتم تفعيل صندوق الكرامة ليستقبل مبالغ هامة بالعملة الصعبة سوف تصرف في جبر ضرر جهات مظلومة ومنظمات ومناضلين وفق معايير دولية مضبوطة وستستفيد منه تونس كما استفادت دول أخرى مثل جنوب أفريقيا والشيلي وروندا.
وتصبح تونس اخيرا دولة لا مجال فيها لانتهاكات ما قبل الثورة ولا مجال فيها للانتقام.
المرحلة القادمة تحتاج إرادة قوية تطوي صفحة الاحقاد إلى غير رجعة وتنهي أوهام المستثمرين في ملف العدالة الإنتقالية على أمل أشغال حرب أهلية بين أبناء تونس.

مقال لمحمد نضال باطيني نشر في عدد جريدة الرأي العام الصادرة بتاريخ اليوم الخميس 15 جويلية 2021 تحت عنوان ” صناعة الكذب : “التعويضات” للتشويش على الحكومة السياسية”

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!