مقالات رأي

لماذا ذهب سعيّد إلى مصر… ماذا قدّم… وبماذا عاد؟

الكاتب التركي برهان الدّين دوران: مصر مع تونس تحاول الحدّ من نفوذ تركيا في ليبيا
الكاتب التركي دوران المقرّب من صنّاع القرار في أنقرة يؤكد انحياز تونس لصالح النظام العسكري في مصر من أجل التصدّي للنفوذ التركي في ليبيا وليس للنفوذ الفرنسي ولا الروسي حتى لا يتحجّج سعيّد بالعرب والعروبة.
الإعلام المصري والإماراتي ينشر ما يفيد أنّ الملفّ التونسي الداخلي كان على طاولة المفاوضات بين سعيد والسيسي.
خبراء وشخصيّات مختصّة في التحليل أكّدت من على منابر مصريّة أنّ سعيّد اطلع على المقاربة المصريّة في التخلص من جماعة الإخوان المسلمين.
عناوين فاقعة حول موقف الرئيس التونسي المناهض لأثيوبيا.
صحف ومواقع عنونت:
الرئيس التونسي يوجّه رسالة قويّة لأثيوبيا من القاهرة
قيس السعيّد يوجّه رسالة قويّة إلى إثيوبيا أثناء زيارته إلى مصر
تحاليل المختصّين المصريّين على منابر الاعلام تحدّثت بإطناب عن استفادة تونس من المقاربة المصريّة!
خلاصة: دبلوماسيّة تونسيّة تغيّر وجهتها المتحفّظة دوما.. سعيّد يقحم تونس في سياسة المحاور.. الانحياز إلى معسكر الثورات المضادّة.. معركة ضدّ تركيا رأس العالم الإسلامي وأخرى ضدّ أثيوبيا التي تحتضن مقرّ الأمانة العامّة ولجنة الاتحاد الأفريقي، وثالثة تخاتل الشرعية المعززة في طرابلس.
*لماذا ذهب سعيّد إلى مصر
الأكيد أنّ مصالح مشتركة هي التي دفعت بسعيّد إلى القاهرة في زيارة غير مسبوقة، فلا بورقيبة ولا بن علي ولا المرزوقي سبق وأقاموا في مصر لثلاثة أيام وتخلّل الزيارة برنامجا استعراضيّا خلط بين السياحي والسياسي.. لكن ما هي نوعيّة المصالح؟ نحتاج إلى فهمها وتفكيكها.
هناك توجّهات تقودها دول الثورات المضادّة مع فرنسا وروسيا ترغب في تعميم النظام الرئاسي المضمون ومنه إلى إحداث حالة من الاستقرار العنيف، تماما كما التجربة المصريّة، هذه الرغبة تلتقي مع رغبة سعيّد التي اصطدمت بالجيش التونسي ثمّ فشلت في إحداث اختراق قوي على مستوى الجهاز الأمني عبر بوّابة الداخليّة، كما فشل الحزام البرلماني في إحداث اختراق لصالح الشموليّة المنشودة، ثمّ إنّ سعيّد بات في ريبة من اتحاد الشغل الذي توالدت طموحاته ولم يعد يرضى برئيس شمولي يخنع تحته كما سابقا مع بن علي. في حين يهفو كلّ كيان سعيّد إلى شخصيّة تشبه السيسي، تعتلي كلّ القوى والمنابر والأحزاب والشخصيّات الوطنيّة وتحيلها إلى أرقام صغيرة قزمة مجهريّة.
ذهب سعيّد إلى مصر ليقف على التجربة الحلم التي يبحث عنها منذ تنصيبه بل منذ التقى حزامه في بيته وبزغت فكرة حكومة الرئيس، استقبله السيسي بايعاز من الإمارات في عمليّة تأهيل بانت مساحيقها وديكورها وإكسسواراتها، الرجل الوحيد الزعيم القائد الحازم الواثق الذي تعمل كلّ المؤسّسات تحته بدقة ميكانيكيّة لا خلل فيها، الزعيم الذي أخضع كلّ القطاعات إلى سلطته، وكتم أنفاس الفقر من أن يتأوه، ومنع الحرمان من حريّة التعبير، وسيطر على منابع الإحصاء والدراسات، وشطب البرامج والأفلام الوثائقيّة الغير متناسقة مع الخطّة، وأوقف مشاريع دراميّة كانت عادية في عهد السادات ومبارك، تلك التي تحمل جرعة من الحريّة المتعلّقة بالأوضاع الاجتماعيّة، في حضرة الزعيم القوي المهيب لا يجب أن تظهر عورات الوطن لأعداء الوطن ولا سبيل لتصوير العشوائيّات وسكّان المقابر والحديث عن تعويم الجنيه ومضاعفة الأداءات، في دولة الزعيم القوي يصبح التفريط في جزيرتين وطنيّة عميقة، ويصبح خضوع القرار السيادي في بعض القطاعات إلى محمّد بن زايد أخوّة عربيّة تؤشّر إلى اقتراب الوحدة المنشودة، في حضرة الزعيم لا سبيل حتى لإعلان الأعداد الحقيقيّة لمرضى كورونا! أبدا المعارضة والجهات الأجنبيّة المغرضة ستستعمل الأرقام في ما يضرّ الوطن! هكذا يمكن لعشّاق الدكتاتوريّات في تونس وغيرها الحديث عن التجربة المصريّة وحزمها وهيبتها.. هكذا يمكنهم التبجّح بفترينة فيفي عبدو الرقّاصة التي تخفي خلفها مأساة عم عبدو الفرّاش.
إذا يحتاج سعيّد إلى المزيد من استمالة أنصار العسكرة في تونس كما يحتاج إلى تأهيله لمرتبة عقيد أو جنرال أو مشير مدني، في المقابل يحتاج السيسي إلى تقديم ممثل الثورة التونسيّة في ثوب متربّص عند المضادّة المصريّة، يحتاج عسكر مصر إلى القول أنّ منبع ثورة الحريّة والكرامة وأصلها وفسيلتها وأرصدتها عاندت كثيرا ثمّ أخيرا جاءت إلى مصر تبحث عن هيبة الأوركسترا العسكريّة المنظّمة المنضبطة المنسجمة التي تخفي أنين شعب المشير السّاكت القانع بالقهر والجوع! بدل عبث الحرية وخزعبلات الديمقراطيّة وسفاهات حقوق الإنسان وصداع البرلمانات، ومتاعب التداول السلمي على السلطة.
ذهب قيس سعيّد إلى فرنسا فبرّأها من الاستعمار ووهبها وسام الحماية، وانحاز إلى مقاربتها للوضع الليبي، ثمّ ذهب إلى مصر فوهب إلى السيسي شهادة زعيم المنطقة، وبرّأه من الدم والمجازر الكثيرة الوفيرة الغزيرة، ثمّ وهبه شيكا على بياض حين أكّد أنّ رؤية تونس متطابقة مع الرؤية المصريّة تماما!!!.
كنّا نمنّي أنفسنا بأن يأتي الطواغيت العرب إلى تونس ويعترفوا أنّها الرؤية الأصوب، فخاتلنا سعيّد حتى إذا منحناه تزكية ثورة ديسمبر العظيمة، احتملها وذهب إلى السيسي يزكّي انقلابه الدموي ويسوّق له عند العرب! لقد كنّا أغبياء من شدّة الصدق وكان صادقا من شدّة الكذب.

نصرالدّين السويلمي

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!