مقالات رأي

رأس الغنّوشي مقابل إطلاق سراح الدولة!

إن كان خصوم الغنّوشي دعوه إلى مغادرة رئاسة البرلمان فإنّ فاضل عبد الكافي دعاه إلى مغادرة الحياة السياسيّة جملة وتفصيلا، هذا لا يعني أنّ عبد الكافي تطرّف عن البقيّة، بل يعني أنّه “جاب من الآخر” تلك رغبة كلّ الخصوم، منهم من قسّطها ومنهم من أجملها مثل عبد الكافي. لكن في المحصّلة كلّهم يرغبون في إخراج الغنّوشي من الساحة السياسيّة باستعمال سلاح التعطيل، يعطّلون كلّ شيء ويشترطون رأس الغنّوشي مقابل التوقّف عن قطع الطريق وتعطيل دواليب الدولة، إنّها المقايضة الأغرب في تاريخ تونس بل لعلّها الأغرب في العالم، انسحاب الغنّوشي من الساحة السياسيّة مقابل إطلاق سراح الدولة.
لماذا يرغبون في إقصاء الغنّوشي؟!
عدّة أهداف يمكن تحقيقها من إقصاء الغنّوشي، لعلّ أبرزها تغييب الرموز الوازنة بشكل نهائي عن الساحة، على غرار الغنّوشي والمرزوقي، بعدما غابت شخصيّة مخضرمة مثل الباجي قائد السبسي وكذا مغادرة عبد الفتّاح مورو، هكذا تكون انتهت قصّة الشخصيّات المؤثّرة القادرة على إحداث التوازن وهكذا يعمّ الانخرام، ومن خلاله يمكن للشخصيّات الطامحة الضعيفة أن تحلم بموطئ قدم تحصل عليه من عائدات المشهد الهشّ.
أيضا وإن كان بعض خصوم النّهضة يمنّون أنفسهم بإبادة شاملة للحركة فإنّ البعض الآخر يرغب في مشهد بنهضة عليلة تكميليّة لا تنافس على الريادة وتكتفي بالترقيع خلف قوى التنافس الرسميّة، ربّما يرغبون في نهضة تشبه إلى حركة حمس في الجزائر أو الجماعة الإسلاميّة في لبنان، حالة حزبيّة متواجدة وغير مؤثّرة، لا تفسد “الكركاس” الديمقراطي بما أنّ كلّ التجارب التي أبعدت منها الحركات الإسلاميّة انتهت إلى الفشل ومالت إلى الدكتاتوريّة، ذلك هو التواجد الناعم الطيّع الذي لا ينافس ولا يغالب.
إلى جانب ذلك تعمل الكثير من القوى على إخراج الغنّوشي من الباب الصغير أو من الشبّاك، ومن ثمّ تشويه العشريّة الأخيرة وإثخانها بالتشكيك والإشاعات والتلفيق، مع السعي إلى إحداث تغييرات جذريّة في الدستور، حتى لا يكون له وللحركة الإسلاميّة وللترويكا شرف التأسيس، لذلك تراهم يروّجون بقوّة وبشكل متزامن للجمهوريّة الثالثة، قبل ذلك سيعلنون فشل الجمهوريّة الثانية، سيقومون بتصنيفها كمرحلة سوداء ويكتفون بجمهوريّة أولى مشرقة وجمهوريّتهم الأكثر إشراقا أو هكذا يرغبون. وتلك خدمة كبيرة بل عملاقة سيقدّمونها إلى الأنظمة العربيّة الشموليّة، تحتاجها كثيرا في تخويف شعوبها من الإسلامي البديل الفاشل الأسود البعبع.
ثمّ هم يرغبون في تجريد الغنّوشي من كلّ نضالاته وكلّ إسهاماته في الفكر السياسي تنظيرا وتنزيلا، وإحالته إلى رفوف الفشل، وإذا تمكّنوا من ذلك وفعلوا به ما فعل بورقيبة بصالح بن يوسف حينها يسهل شيطنة النّهضة كما سهلت شيطنة الحركة اليوسفيّة.
إذاً هم يخوضون معارك سياسيّة آنية ومعارك لحساب التاريخ، ما زلنا نذكر جيّدا تلك المرأة التي دخلت في هستيريا من البكاء والعويل بعد ظهور نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011، كانت تنتحب وتقول “يا ناري على تونس شكون باش يكتب دستورها؟” هي الدونيّة والحقرة، هو الإصرار على أنّهم خلقوا للدولة دوما بينما خلقت شريحة 23 أكتوبر 2011 للسجون والمحن دوما، لقد كانت حائرة ! كيف لعرق الشارع وزحامه وسمرته أن تتطلّع إلى دولة “الصفوة”.
سيرهقون التجربة بلا شكّ، لكنّهم لن ينالوا منها ومن رموزها، خرجت المعلومة من بين أيديهم وانتشر الوعي وشاع التوثيق، لم يعد بالإمكان شطب تاريخ حافل زاخر صاخب بجرة زرق العيون.

نصرالدّين السويلمي

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!