مقالات رأي

“السبت 27 فيفري 2021… يوم خرج الرئيس المنتخب ولم يعد”

اخترنا الديمقراطية وليست لنا تقاليدها.
في الديمقراطيات العريقة هناك ابجديات ومسلمات هي محلّ جدل في ديمقراطية ناشئة كالديمقراطية التونسية.
من هذه المسلّمات الأساسية احترام إرادة الشعب ومن آليات التعبير عنها صندوق الاقتراع في الانتخابات والنزول للشارع بين محطتين انتخابيتين.
نتائج الآليتين تفرز أحجاما وأوزانا كلّها تحترم ولكل منها تمثيلية ولكن لا يمكن خلط الأحجام ولا قلب الأوزان لأن في ذلك بدعة لا يقدم عليها من يؤمن بالديمقراطية كمنظومة قوية قادرة على الإصلاح وهنا مكمن الداء في تونس.
في تونس لم تخرج الديمقراطية من الحاكم ولا من الإعلام ولا من نخب الجامعات ولكنها ديمقراطية فرضها الشارع وحماها الشارع وفرض مسار إعادة التأسيس الشارع ورافق مخاض الدستور الى أن ولد أيضا الشارع.
الشارع في تونس قاد ويقود نخبته واعتاد على تقويم حكام البلاد وفرض إرادته كما اعتاد على ردود الفعل المستعجلة لحكام البلاد كلما خرج واغلبها كانت محاولات لتجاهله وتقزيم تحركه وعدم الالتفات اليه.
في الديمقراطيات عندما تخرج مجموعة الى الشارع يكون فرض عين على الحكام الاستماع الى رسائلها وماتريد قوله وقبل الانصات يكون من الكبائر عدم احترام خروج هذه المجموعة الى الشارع فيكون من لم يحترم الشعب في حكم الخارج عن ملّة الديمقراطية والديمقراطيين فيصبح بعد فعله هذا بريئا منهم ويصبحون منه أبرياء.
عندما يتحرك تونسيون من كل جهات البلاد ففي ذلك رسالة واضحة قوية وعندما يجتمعون في العاصمة ففي ذلك ايضا رسالة واضحة قوية تجاهلها لا يلغيها وإنما يقيم الدليل على أن المرسل أرسل وأن المرسل إليه تم تبليغه مباشرة بدون بريد ولا صاحب بريد إنها رسالة حملها أصحابها مئات الكيلومترات من كل الجهات وأقسموا وهم يسرون فجرا أن لا يعودنّ منهم أحد إلى داره إلا وقد وصلت وتمت معاينة التسليم والتسلّم.
رئيس الجمهورية خيّر مغادرة القصر يوم خرجت جموع قدّرها رئيس مجلس شورى حركة النهضة عبدالكريم الهاروني في كلمة رمزية بخمس أضعاف من خرج يوم 14 جانفي 2011. مشهد خروج ساكن قرطاج في 2011 كان خبرا مفرحا للجماهير ولكن خروج ساكن قرطاج من قصره ومغادرة تونس في 2021 كان خبرا محزنا فالفرق شاسع بين رئيس فرض على الشعب ورئيس اختاره الشعب ولمّا ذهب ليسمعه صوته لم يجده.
صورة الرئيس يغادر قصر قرطاج والعاصمة في رد فعل على خبر قدوم من اختاره في الانتخابات اليه مثلت نشازا في معزوفة “الشعب يريد”.

رفض استقبال الضيوف اصبح من تقاليد رئيس الجمهورية للأسف ورفض الحوار كأنه أيضا أصبح واقعا. الرئيس يختار ضيوفه ويختار حتى من ينتخبه.
ما حصل يوم 27 فيفري هو بالتأكيد منعرج هام بين الرئيس قيس سعيد وجزء هام من ناخبيه لعله بعد الوصول الى قرطاج لم يعد يكترث به او نصح بذلك ولكن يبدو ان اصحاب النصيحة ليسوا من مدرسة الديمقراطية وليسوا من الديمقراطيين فثمن عدم احترام تلك الإرادة الشعبية التي مثلتها مسيرة 27 فيفري في المنظومة الديمقراطية خروج من قصر قرطاج بدون عودة وإن كان قيس سعيد قد عاد الى القصر فمن المؤكد أن الرئيس المنتخب خرج ولم يعد…

مقال لمحمد نضال باطيني نشر في العدد الصادر اليوم الخميس 4 مارس 2021 من جريدة “الرأي العام”

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!