مقالات رأي

“سياسيون برتبة صنّاع للفرجة… كيف يتحوّل القادة إلى أصفار ؟!”

السياسيون المنتخبون يعيشون بعد انتخابهم تحت مجهر ناخبيهم وناخبي غيرهم ومن يمكن ان ينتخبهم او ينتخب غيرهم مستقبلا.
هذا المجهر مهمّ جدا لمستقبلهم السياسي إن كان لهم سعي وجهته المستقبل لأنهم يتجهزون بالضرورة الى محطّة تجديد الثقة وهي إحدى الضمانات الهامة التي تفرض رقابة على أداء السياسي المسؤول وعلى سلوكه الذي يعتبر أحد أهم مكونات الانطباع الذي يحصل لدى الناخبين عنه.
قد يكون منح الثقة في المناخ الديمقراطي لأشخاص لم يمارسوا الحكم في زمن الديمقراطية تجربة غير محسوبة العواقب في المرّة الأولى نظرا لعدم توفّر تجربة مرجعية في الحكم يمكن للناخب ان يعتمد عليها لتكوين رأي دقيق وتقييم صحيح فتكون محطة تجديد الثقة هي الميزان الحقيقي فيؤكد الناخب خياره او يسحب منه الثقة.
حيث يكون الاختيار اول مرة تعبيرا عن انتظارات متعلّقة بانطباع حاصل يعتمد على عدد محدود من المواقف او على رصيد تكوّن في مجالات غير مجال الحكم او مجال الفعل السياسي الحقيقي في البرلمان او في الحكومة او في رئاسة الجمهورية.
جانب كبير من قلق الناخبين يرجع الى منسوب خيبة الأمل المرتفع الذي تجسده نتائج الانتخابات المتعاقبة منذ 2011 في تونس حيث صعدت تيارات سياسية بقوة وشعبية معقولة لكن باستثناء النهضة التي حافظت نسبيا على موقعها فقد تغيّر المشهد حولها بدرجة كبيرة جدا فاختفت عن المشهد احزاب برمتها وغابت وجوه حظيت بثقة الناخبين في محطات بعينها قبل ان تندثر او تكاد لأسباب وجبت دراستها ومن أهمها سلوك هؤلاء الأشخاص بعد تحمّلهم المسؤولية.
عندما نتأمل المشهد السياسي الانتخابي منذ 2011 نجد مصعدا عليه اقبال شديد من المتهافتين عنوانه معاداة النهضة واستهدافها.
هذا المصعد يحقق لراكبه شعبية بحكم انه يتحول من رصيد معرفة محدود الى وجه معروف باحتكاكه بحزب معروف فهو لا يعرّف بنفسه ولا يعرف بها بل يعرّف ويعرف بأنه ذاك الذي يشاكس النهضة فيعرفه انصارها ويعرفه من يعرفها بالضرورة دون ان تكون خياره في الانتخابات.
لكن؟ هذا المصعد لا يتجاوز مستوى الانتخابات الاولى ولا يؤهل راكبه لمستويات اعلى بل يعود به الى الطابق السفلي اذا مكث فيه بعد الانتخابات بخطاب الحملة الانتخابية.
لتجديد الثقة آليات اخرى أهمها الأداء والسلوك في الحكم او في المعارضة بما يحقق ما ينفع الناس.
نلاحظ منذ 2011 ظهور سلوكيات في البرلمان تشذّ عن قواعد وحرمات المجلس واعرافه وتشترك جميعها في العنف وان اختلف منسوبه واشكاله من شخص لآخر فهو يبقى صادما للرأي العام وغريبا عن اعراف البرلمان. والملاحظ ايضا انها سلوكيات لا تنشط الا تحت عدسات الكاميرا وتحتاج جهدا وعملا محترفا لتوثيقها ثم تسويقها.
إن دراسة هذه الظواهر في البرلمان على امتداد عشر سنوات من التجربة الديمقراطية التونسية تجعلنا نرى بوضوح أنها تتفاقم في حضور الاعلام والتصوير الاعلامي الذي تطور في البرلمان الحالي الى استعمال الهواتف الجوالة وتقنية النقل الحي.
الاهتمام بالنقل الحي من داخل البرلمان وكواليسه هو استعمال لتقنية تواصلية تطورت في السنوات القليلة الماضية مع تطور الاتصال الاجتماعي بتقنيات الهواتف الذكية وهي تجربة لها خلفية اتصالية ليست جديدة ظهرت في بداية القرن الواحد والعشرين وشهدت رواجا كبيرا وهي تجربة “تلفزيون الواقع” الذي يتأسس على فكرتين مهمتين اولاها النقل الحي وثانيها التفاعل مع ابطال البرنامج بالتصويت المرتبط أساسا بالسلوك الذي عاينه المشاهدون.
النقل الحي من فضاءات حساسة وغير متاحو تكشف خصوصيات أشخاص في وضعيات “عفوية” تقنية تستقطب كثيرا من المتابعين رغم أن العفوية فيها مدروسة بدقة.
لكن الذين يستعملون هذه التقنية في السياسة وفي البرلمان التونسي يقعون في أخطاء عديدة أولها أنهم لا يفهمون اليات تقييم الناخب لسلوكهم الذي يعاينه.
السلوك الذي نراه يكشف لنا بوضوح أن اللعبة انقلبت على أصحابها دون وعي منهم وأنهم يستعملون ماكينة مستوردة لا يحسنون التعامل معها.
هذه اللعبة تقوم على الاستفزاز الأقصى والتمادي فيه الى أبعد حد مع تعمّد تجاوز حدود مدروسة بشكل صادم يجعل الاهتمام بها متواصلا كما تعتمد على دراسة دقيقة للشخصيات المشاركة بطريقة تجعل تفاعلها مع الاستفزاز في الاتجاه المطلوب مضمونا مع المحافظة على المشاركين الأكثر إثارة والأكثر ارتكابا للأخطاء لأطول فترة ممكنة حتى يتحقق شرط المتابعة المكثفة.
هذه اللعبة وهذا التصور غايته الأصلية صنع الفرجة في حين ان انتظارات الناخبين هي تحقيق مصلحة سواء كانت شخصية او وطنية او مبدئية لخدمة مشروع معيّن والناخبون هم جزء من المتفرجين لا يمثلون أكثرية ولكنهم الجزء الفاعل من الجمهور فهم الذين يعبّرون عن رأيهم في المشهد من خلال الصندوق وهم مصعد الوصول الى السلطة.
يغترّ صنّاع الفرجة في البرلمان بعدد المتابعين والمتفاعلين افتراضيا او المستجوبين في استطلاعات رأي لشريحة معظمها لا يبدي رأيه قبل سنوات من الانتخابات عن نواياه في التصويت وهو امتناع معقول لأن الانتخاب ليس غاية في حد ذاتها بل وسيلة تحقيق هدف.
تواصل السلوك والخطاب بعد الانتخابات بنفس عقلية الحملة الانتخابية وتطوره الى “تخميرة” حقيقية تفضح نية لها أثر عكسي الا وهي التطلع الى الفوز من انتخابات الى اخرى. وهي غاية لا تأخذ بعين الاعتبار انتظارات الناخب.
كما صعدت ظواهر مثل ابراهيم القصاص وأفلت صعدت قامات لها رصيد واحزاب حظيت بثقة الناخبين ثم أفلت فلم يعد لنجيب الشابي وحمة الهمامي وسمير بالطيب وزن انتخابي لأن سلوكهم تماهى مع سلوك القصاص وغيره فلم يكونوا قادة بل تبّعا ولم يحققوا الا الضجيج والتشويش وبقي الرحوي في البرلمان الحالي أثرا شاهدا وحيدا على انقراض الجبهة الشعبية لا بسبب حكم الناخبين على رصيدها النضالي او خطابها الفكري بل لأن الأداء والسلوك لمن كان يمثلها في البرلمان أثرا سلبا على رصيد الثقة فلم يعد كافيا لتجديدها فيهم.
الانتخاب غالبا مايكون فعلا مسؤولا واعيا يعبر عن ارادة في تجديد الثقة او تعزيزها او ارادة في التغيير والبحث عن خيار جديد يعالج خيبة الامل من الاختيار الفاشل بالتجربة.
لذلك يتأثر هذا الفعل كثيرا بالتصرفات اللامسؤولة وإن ساندها تيار شعبي هو أساسا خارج العملية الانتخابية ويستدعي استنفاره للانتخاب ظروفا استثنائية من الفوضى او استثمارا طائلا يصعب تحقيقه في الديمقراطيات المهيكلة وفي الانتخابات المراقبة والتي ترتقي الى مستويات من الشفافية لا يمكن معها التزوير.
الخيارات التي تقوم بها حاليا تيارات داخل البرلمان في رد فعل انتقامي على وجودها في المعارضة هو استثمار خاطئ في موقعها الحالي الذي يفترض أولا المسؤولية والالتزام بالقانون والاخلاق والسلوك المثالي.
ان التيارات الشعبية تتميٍز عن التيارات الشعبوية بالتزامها بالمسؤولية التي تثمر على المدى المتوسط والطويل وان خسرت رصيدا على المدى القصير في حين تركب التيارات الشعبوية موجة عالية من الانطباعات الحينية كثيرا ما تجرف الموجة نفسها من جاءت بهم لمواقع المسؤولية بسرعة قياسية فيكون الصعود مذهلا ويكون السقوط سقوطا حرّا لا صعود بعده.
إن السلوك الذي نشاهده في البرلمان يراكم الفشل واقعيا حيث لم ينجح في قطع الطريق على رئيس حركة النهضة في الوصول الى رئاسة البرلمان وفشل في سحب الثقة منه بل عززها ثم فشل في تشكيل تحالف حكومي بدون النهضة بل وأصبحت الحركة التي استهدفوها ركن الحكومة المتين.
هذا السلوك بأصحابه يجرّ وراءه احزابا وشخصيات حظيت بثقة الناخبين على انها قادرة على تغيير الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وعي ثقة اهلتها للحكم لكنها خرجت منه سريعا وابتعدت عن دائرته كثيرا واصبح أملها في البقاء ضئيلا بتكرار العبث السياسي والسلوك اللامسؤول.
سلوك يصنع فرجة حينية يغذيها الفضول ويقتلها التعوّد وتنتهي بمرور الزمن نهاية بائسة. فرجة مثيرة لمشهد أثثه سيناريو رخيص توزع أدوار البطولة فيه على المفلسين.
مقال  لمحمد نضال باطيني نشر في جريدة “الرأي العام” في عددها الصّادر اليوم الخميس 11 فيفري 2021.

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!