مقالات رأي

“الأمن في زمن الديمقراطية وأسطورة الميليشيات”

تحوّل تونس من الاستبداد الى الديمقراطية احتاج إعادة تأسيس للجمهورية وصياغة دستور جديد بفلسفة جديدة وبمبادئ مختلفة عن تلك التي كانت تسيّر حياة التونسيين أيام المنظمة الاستبدادية.
إن التحوّل من الاستبداد الى الديمقراطية يشبه الى حد بعيد التحوّل من الاستعمار الى دولة الاستقلال.
هذا التحوّل يصاحبه تغييرات قانونية وادارية وسياسية تؤدي تدريجيا الى تأسيس نظام مختلف. ويتطلب التحوّل وقتا وجهدا ويتطلب أيضا قبل ذلك كلّه مراجعة عقليات وسلوكيات متجذرة تبقى تحكم العقل الشعبي الى أن يتطوّر وعيه. ومن الطبيعي أن يتأثر وعي الشعوب بعقليات قادة الرأي.
لعل المنظومة الأمنية التونسية من بين أبرز المنظومات التي تغيرت كثيرا بعد الثورة وكانت قبلها من أهم أسباب انتفاضة الشعب في 2010. حيث انتقلت من منظومة “بوليسية” قمعية ترهب الشعب وتستعديه الى منظومة امن جمهوري تساهم في تحقيق اول حاجيات الشعب والدولة وتوفر فيما توفر تأمين الممتلكات العامة والخاصة.
المنظومة الأمنية قبل الثورة كانت معزولة عن الشعب وكانت مفرّقة له وكان دعمها او مساعدتها عار يعبّر عنه في المعجم الشعبي بالفاظ تعبر عن وظائف منبوذة من قبيل “صبّاب” و “بيّوع” وغير ذلك من الالفاظ التي كان يرسخها الموروث الشعبي في وعي المواطنين حتى يعزل منظومة “الحاكم” عن وجدان الشعب.
كذلك كان القطار قبل الاستعمار يقذف بالاحجار من طرف الصبية لأنه يجسّد الاستعمار الذي يحمل ثروات البلاد الى خارجها فينهب ويسرق ولا يملك الشعب الا ان يعبٍر عن موقفه منه برميه بالحجارة.
لكن الأمر اختلف بعد الاستقلال واصبح القطار ملكا عموميا لكن السلوك لم يتغيٍر ولعلّه تطور للأسوء من عقد الى آخر حتى أصبح الملك العام يعبّر عنه برزق البيليك او “متع الحاكم” وهذا وحده مبرر ليستباح من الجميع وليخرّب كلّما غفل “الحاكم”.
سلوك يقيم الدليل على علاقة العداء بين الحاكم والمحكوم او بين الدولة والشعب زمن الدكتاتورية.
الملك العمومي في تقاليدنا إما أنه مهاب او أنه مكروه والأصل أن يكون بعد الثورة مصانا ومحبوبا لأن ملكيته انتقلت من الحاكم الى الشعب نظريا ويستوجب تغيير السلوك تجاهه جهدا وخطابا يطور الوعي الشعبي.
من هذا المنطلق تكون حماية الملك العمومي مسؤولية الدولة حكومة وشعبا ومن هذا المنطلق ايضا يكون للمواطن دورا محوريا في المنظومة الأمنية.
أثار هذا الموضوع جدلا واسعا منذ أيام على الساحة السياسية حيث انطلقت حملة اعلامية لتيار سياسي مساند للاحتجاجات الليلية منتقدة تصريحا لرئيس مجلس شورى حركة النهضة عبدالكريم الهاروني دعا فيه ابناء حزبه وعموم المواطنين التونسيين الى دعم الأمن وحماية الممتلكات العامة والخاصة.
وكانت تونس شهدت قبل ذلك عمليات استهداف لمتاجر وممتلكات خاصة وعامة أقلقت عموم الشعب واثارت حالة من التوتر الشديد وهي حالة طبيعية عندما يشعر المواطن بأن أمنه مهددا.
في هذه الحالات تكون الدولة مطالبة بالاستجابة قبل كل شيء الى مطلب أساسي بحفظ النظام وايقاف كل ما من شأنه أن يهدد أمن المواطنين ويضر بمصالحهم وممتلكاتهم.
منظومة الأمن في الدول الديمقراطية لا تستعمل القمع ولا الاعتقالات ولكنها منظومة أقوى من تلك القائمة في الدكتاتوريات لأنها مدعومة من الشعب و تستمد شرعيتها منه وتعمل لصالحه وهي في خدمته وليست في خدمة حاكم فرد مستبد.
المنظومة الامنية في الديمقراطيات تتولى حماية الممتلكات ولا تفرّق بين الخاصة والعامة لأن الشعب أيضا يعتبر الملك العمومي ملكا يخصه بل هو مقدم في الاهمية على الملك الخاص وبالتالي فالمواطن في هذه المنظومة معني بدعم جهود الدولة في الحفاظ على الامن العام والملك العمومي والاملاك الخاصة للغير بنفس الحرص الذي يسعى به للحفاظ على ممتلكاته الخاصة.
من يدرس هذه المنظومة في الديمقراطيات يجد أنها تتأسس على المواطن وأن السلوك الإيجابي للمواطن يجعل مهمة الأجهزة الأمنية النظامية أيسر ويجعل قواو الأمن أقل حضورا وأقل استنزافا.
فلا يمكن الاعتداء على حافلة في هذه الدول لأن المواطن معني بحمايتها ولا أحد مستقيل من مهمة حفظ النظام ؛ لا يشهد الناس بالزور ولا يتسترون على مجرم ولا يتجاهلون اي اعتداء يرونه بل يتصدون له بالقانون وبسلوك حضاري يضمن النظام والأمن دون أن يعرضهم للخطر او لتجاوز القانون. انها بديهيات في الديمقراطيات.
إنها نظريات راقية متقدمة لم يرتقي اليها بعد من يعيشون بين شعارات سبعينات القرن الماضي ومعاركهم الدونكيشوتية مع طواحين رياح انقرضت مع الدكتاتورية. البوليس الذي يحرضون عليه انقرض ولم يبقى له وجود الا في منظورهم الصدامي.
اننا نتيقن ان هناك من لم يقم بتحيين عقليته ولم يقم بضبط ساعته على عقارب المنظومة الديمقراطية عندما نسمع الشعارات التي رفعها قادة هذه التحركات نهارا بعد أن تصدت الدولة لتحركاتهم الليلية وبعد ان رفض الشعب الانخراط فيها وبعد ان زادت تصريحات الهاروني والتي سوقوا لها بدون وعي في استنفار المواطنين لحماية املاكهم.
اصحاب الخطاب التحريضي على الخروج ليلا يتحمّلون في الأصل تبعاته المادية والجزائية وتبعات الضرر الذي لحق بالممتلكات وبعائلات القصّر الذين انساقوا وراء موجات الفوضى كما يتحمّل ذلك في الديمقراطيات منظموا الإحتجاجات حيث انهم مسؤولون بالضرورة على تبعات اي خروج عن القانون وعن النظام.
لكن لأن الخطاب الذي نسمعه خارج الزمن فإن أصحابه في صدام مع أمن جمهوري لم يفهموا بعد أنه لم يعد بوليسا قمعيا. وبقيت أحلامهم في عمر المراهقة لم تتطور وبقيت تصوّر لهم انّ العنف الثوريّ سيمكنهم من الامساك بالمقود في دولة كتبت دستورا أقسموا على احترامه.
المستبدّون يريدون ان يبقى المواطن مستقيلا من الشأن السياسي و كذلك يريد المخربون ان يستقيل المواطن من مسؤوليته في حماية وطنه.
الحالمون بعودة الاستبداد سيراكمون الفشل مادام المواطن منخرطا في الشأن العام مراقبا للحكام ناقدا لهم ومشاركا في الانتخابات غير عازف عنها. كذلك سيفشل المخربون مادام المواطن معنيا بحماية الملك العام والخاص على حد السواء غير معاد للأمن الجمهوري منتبها لكل ما يمكن ان يصدر منه من انحرافات او عنف او ظلم حتى يصلحه دون ان يستعديه او يتصادم معه.
اما اسطورة الميليشيات الحزبية فهي ظاهرة لا يمكن ان تعيش في الديمقراطيات وهي كذلك تصور قديم من زمن بعيد لميليشيات الدكتاوتوريات انتعشت زمن الاستبداد وانتهى عهدها بكل بساطة لأن الحرية والديمقراطية والمواطن الحرّ اكبر ضمانة لدوام انقراض هذه المفاهيم المتخلفة.
 

مقال لمحمد نضال باطيني نشر في العدد الصادر في جريدة “الرأي العام” اليوم الخميس 28 جانفي 2021

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!