مقالات رأيوطنيّة

تونس : في محنة الدولة…

ميديا بلوس-تونس- مشهد عبثي وسريالي جديد تابعه التونسيون ساعات قبل عرض التحوير الوزاري علي مجلس النواب.

رئيس الدولة يعقد جلسة لمجلس الامن القومي بحضور وزراء مقالين وقيادية في حزب معارض للحكومة، ليسفه رئيس الوزراء – وهو من عينه – ويعطيه درسا في احترام الدستور ويهدد تصريحا وبالصوت العالي وعلى الملأ بأنه لن يستدعي الوزراء المقترحين لأداء اليمين بدعوى شبهة الفساد التي تحوم حول واحد او اثنين منهم، مع التذكير ان وزير البيئة الذي يقبع في السجن بتهمة الفساد كان من اختياره.
صوت مجلس النواب بأغلبية مريحة على الوزراء الَمقترحين وسقطت حسابات خصوم الحزام السياسي للحكومة رغم حجم الدعاية المضادة داخل قبة البرلمان وفي الاعلام وفي الشارع.
هامش المناورة عند الرئيس يكاد ينعدم، فقد وضع نفسه مجانا في الزاوية الحادة وخسر قبل تبدأ جولة جديدة في معركته السياسية المجنونة مع من سماها بقوى الشر والتي يبدو انها تشمل كل من يخالفه الرأي، وقد أشتكى بوضوح في خطابه الاخير بمجلس الامن القومي بأن مبادراته رفضت وكأن على الجميع القبول بمبادراته وليس لهم حق الرفض لما يوحى له من لدن حكيم عليم.
الرئيس الموجوع من هزائمه السياسية المتواترة ، يبدو انه غير قادر على مراجعة اداءه ومسلكه منذ وصوله لقرطاج موشحا بشرعية شعبية قد لا تكرر في تاريخنا السياسي الحديث ، فعبث بها بأداء لا يليق بأعلى مؤسسة دستورية في هيكل نظامنا السياسي الجديد. هذاوغيره، وكله، او جله، اصبح من الخلاصات المجمع عليها من المراقبين في الداخل والخارج ولا فائدة في تفصيل الخلاصة التي تقول ان الرجل لبس جبة ليست على مقاسه.
السؤال الهام والاهم والمباشر هو ما يتصل بمستقبل الوضع في ظل ازمة وبائية عالمية وازمة اقتصادية واجتماعية وطنية حادة وتوشك علي الانفجار ونسف الحمل بما حمل؟
ليس اخطر على اي احتماع سياسي من ازمة التناقض والتشاحن بين هياكل الدولة ، لانها ومهما كان حجمها وعمقها وطبيعتها لغما كامنا يهدد العمران السياسي بالخراب.
مؤسسة الرئاسة التي من المفترض ان تكون خيمة الجميع ومرجعية تحكيمية وتعديلية لتوازنات محتمع الحكم ، تحولت مع الرئيس الحالي الى عامل ارباك واحيانا الي معول هدم للموجود الدستوري وحواصله السياسية في مسار مسخ ممنهج لموقع ووظيفة الرئاسة في نظامنا السياسي الوليد.
فالرئيس الذي أسس شرعيته على الغموض ونط من شباك الصدفة الى قصر قرطاج ، كلما افصح عن أجندته ، تبين للجميع انه مجرد منتهز شعبوي بسيط لآليات الديمقراطية للانقلاب عليها لفائدة مشروع هلامي وطوباوي ساذج افقه نسف كل المنظومة ومركزة السلطة بيد الرئيس/ الزعيم،/الاب الذي اوتي جوامع الخلق والكلم و الحكمة لا يعارضه الا صبي طائش اوشرير متآمر.
هذا وغيره أصبح اليوم من المعروف و المصرح به علي لسان سيادته بما لا يحتمل تأويل ولا تفسير.
هنا عنوان محنة الدولة في تونس اليوم ، والتي تستدعي من الجميع التفكير الجدي والرصين في تطويق منازع الرئيس الغريبة في نسف المنظومة الدستورية و حواصلها السياسية ، وعدم اعطاءه الفرصة ليركب جواد الطهورية لتوظيف قرف شعبي عميق من عبث النخب السياسية وعجزها المزمن عن الاستجابة لانتظاراتها المتمحورة حول تحسين الوضع المعيشي و الاجتماعي.
من السهل تسجيل نقاط على رئيس بدون حس سياسي ، وبدون خبرة في ادارة الشأن العام، ولكن من الصعب تطويق تداعيات التناحر بين المؤسسات السيادية للدولة.
يجمع المعنيون بالحالة التونسية ان الفساد المالي هو صداعها الاساسي، ولم يخطر على بال اكثر العقول الراجحة ان تبتلى تونس بأكبر واخطر انواع الفساد وهو التطاحن المدمر بين الرئاسات الثلاث.
ففي غياب المحكمة الدستورية وعدم دعوة الوزراء لاداء اليمين الدستور ، “سيكون الوزراء الجدد في وضعية غير دستورية وجميع قرارتهم غير قانونية ويمكن الطعن فيها امام المحكمة الادارية وذلك في حال بلوغ مرحلة شد وجذب على المستوى السياسي يتم بمقتضاها تنصيب الوزراء ومباشرة مهامهم خارج الاطر الدستورية.” على ما أكد استاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك في تدخل على موجات احدى الاذاعات الخاصة.
ودعا بن مبارك الى ضرورة التسريع في ايجاد حل لهذه المعظلة الدستورية والقانونية والسياسية التي ستكون خانقة في خال تمسك سعيد بموقفه.
ورجح استاذ القانون الدستوري جوهو بن مبارك ان يكون قرار رئيس الجمهورية برفض اداء اليمين شاملا لكامل قائمة التحوير الحكومي التي نالت مساء امس ثقة البرلمان.
هناك بالطبع تأويلات اخري للمختصين في القانون الدستوري ، ولكن الثابت وبقطع النظر عن صوابية رأي المختصين من عدمه ان تونس اليوم تحبس افاسها امام مأزق دستوري سياسي خطير، لن تفيد معه تحميل المسؤولية للرئيس او للقصبة ، وسيخسر فيه الجميع رغم انه بقراءة سطحية وسياسوية بسيطة تصب بالنهاية في استراتجية الرئيس الذي ظهر في المجلس القومي بجبة المحرض علي فوضى الشارع ، بدعوى مساندة الحراك ااشبابي المشروع وهو يعلم ان ذلك الحراك نصفه مشروع ونصفه مؤامرة.
تونس أمام ساعات وأيام عصيبة، اما أن ينتصر فيها العقل والتعقل، او ان يعصف بها جنون قرطاج. وترجيحي ان تنتصر الحكمة.
ننتظر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!