دوليّةمقالات رأي

لماذا شارك العثماني في بروتوكولات التطبيع ؟

ميديا بلوس-تونس- لا شكّ أنّ التطبيع مع كيان غاصب بمثابة الجريمة، وإذا أضفنا إليه تحديات اللحظة حيث تتعرّض القضية الفلسطينيّة إلى أخطر عمليّة تصفية في تاريخها، أصبحت الجريمة مضاعفة، لذلك نحن بصدد فهم ما حصل خلال توقيع البروتوكول ولا نتحدّث بحال عن التطبيع لأنّ الأمر ليس بالغريب على المؤسّسة الملكيّة الحاكمة في المغرب والتي لديها علاقات طويلة مع الاحتلال الصهيوني، لذا ما يهمّنا هو ملابسات قبول العثماني بحضور البروتوكول ومن ثمّ الانخراط في كلّ المراسيم التي سينجرّ عنها التطبيع.
انقسم موقف العدالة الى أربعة أقسام، قسم الفترينة الذي يقوده العثماني وقد قبل بحضور البروتوكولات ومن ثمّ يكون قد انخرط في التطبيع بغض النظر عن الإكراهات، وموقف يقوده الشقّ المحسوب على عبد الإله بن كيران اعتمد التأرجح والتعويم، وموقف ثالث صدر عن الجناح الدعوي للحزب “حركة التوحيد والإصلاح” يرفض بشكل كامل الخطوة التي أقدمت عليها المغرب خاصّة وهي ترأس لجنة القدس الشريف، أمّا الموقف الرابع فصدر عن شبيبة العدالة والتنمية وأعلنت من خلاله التمسّك بموقفها المبدئي الرافض للتطبيع مع الاحتلال الغاصب، كما رفضت تبرير جرائمه ضدّ الشعب المظلوم والأرض المحتلّة في فلسطين.
رغم رفض الجناح الدعوي بشكل واضح وجناح الصقور “بشكل غير مباشر” والجناح الشبابي بشكل حاسم، فإنّ العثماني وحده من يعكس موقف الحزب الرسمي، وسلوكه السياسي وحده المحسوب لصالح أو ضدّ الحزب، لذلك نترك البقيّة ونركّز مع خيار رئيس الحكومة ورئيس الحزب الحاكم سعد الدّين العثماني.. وقبل أن نسأل وجب أن نبتعد عن التسطيح والتعويم، ومن ثمّ يأتي السؤال: لماذا قبِل العثماني بالتوقيع على قرارات الملك؟ ولعلّنا نختصر الأمر فنسأل: ماذا لو لم يوقّع العثماني؟ بالجواب عن هذا السؤال التفكيكي سنتوصّل إلى الإجابة عن السؤال الأصل.
يدرك سعد الدّين العثماني أنّ الرفض الشريف يعني الخروج الشريف من دائرة الحكم ويعني النهاية الشريفة لحزب العدالة والتنمية، فلا يمكن بحال عودة العدالة إلى الحكم إذا ما عاند الملك وأصدر قرارا يصادم القرار الرسمي ويظهر المغرب أمام الرأي العام الدولي براسين متنافرين، وتلك طعنة كبيرة للملك لن يغفرها ولن تكون نتيجتها التدخّل لمنع تصدّر العدالة في انتخابات 2021 فحسب، بل سيمضي الملك بعيدا في انتقامه، ربما الى حد تخوين الحزب ووسمه بالعمالة لجهات أجنبيّة “الجزائر” واتهامه بالسعي إلى عرقلة جهود المغرب في بسط سيادته على أقاليمه الجنوبية ،وتلك ستكون نهاية الحزب مع تجربة حكم تواصلت لعقد من الزمن، اكتسب خلالها تجربة وراكم وتعرّف على أحشاء الدولة من الداخل وأطل على ميكانيزمات القصر. ثمّ إنّ العدالة لا يمكنه الذهاب إلى المعارضة التقليديّة، إذْ لا معارضة تقليديّة في المغرب! هناك معارضة “راديكاليّة” بمعنى عدم الاعتراف بمخرجات 2011 والهبة التي منحها الملك للديمقراطية المغربية المتململة على وقع الثورة التونسية، وإلّا فإنّ المعارضة التقليديّة يقودها اليوم حزب الأصالة والمعاصرة، وهو أقرب إلى الملك من جميع أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يضمّ “حزب العدالة والتنمية 125 مقعدا / التجمّع الوطني للأحرار 37 مقعدا / الحركة الشعبية 27 مقعدا / الإتحاد الاشتراكي 20 مقعدا / الإتحاد الدستوري 19 مقعدا / التقدّم والاشتراكي 12 مقعدا.”
إذا يستحيل على العدالة والتنمية مصادمة قرار التطبيع مع الحفاظ على موقعه على رأس الخارطة الحزبيّة أو حتى ضمن الكوكبة الأولى، لأنّ الملك حسم في عبد الإله بن كيران وقرّر سحب التكليف منه، بل يقال أنّه تدخّل لمنعه من مواصلة قيادة العدالة والتنمية فقط لأنّ بن كيران رفض مشاركة حزب الاتحاد الإشتراكي في الائتلاف الحكومي، فيما أصدر الملك ضوءا أخضرا لإشراكه.
إذا لماذا لا يحافظ العدالة على عذريته ويخلّي مواقعه في السلطة ويتوجّه لقيادة المعارضة “الراديكاليّة” أو المعارضة الفعليّة التي تعمل على إرساء الملكيّة الدستوريّة وإنهاء هيمنة الأسرة الفيلاليّة على الحكم وتحويل إرثها إلى مؤسّسة رمزيّة على غرار بريطانيا وماليزيا ولكسمبورغ وإسبانيا وغيرهم؟، حتى هذا الخيار لا يستقيم لأنّ تقاليد الغريم الإسلامي الآخر “العدل والإحسان” أعرق وأكثر مصداقيّة وهو الذي بكّر بمطلب الملكيّة الدستوريّة ورفض الإصلاحات التي قدّمها محمّدالسادس سنة 2011 واعتبرها لا ترتقي إلى المطلوب. لهذا يحتاج رفض العدالة والتنمية الانخراط في بروتوكولات التطبيع إلى تضحيات جسام وإلى شجاعة انتحاريّة، تُبقى على طوباوية الحزب وتنسف ما راكم من تجارب، وأكثر النتائج تفاؤلا إذا ما رفض العدالة طلبات الملك أن يتحوّل إلى كيان سياسي خامل في ذيل أرقام منظومة 2011 الموالية، أو أن يتحوّل إلى وصيف لقطب المعارضة الحادة، جماعة العدل والإحسان.
إذًا فقد اختار العدالة والتنمية المراكمة المرّة وجنح إلى البقاء في واجهة الحكم بعاهات أصابت هندامه الإسلامي، ورفض تسليم السلطة إلى خصومه، أصر على البقاء المعيب ولم يعتمد الانصراف الشريف، وربّما نرى في قادم الأيام بعض الترقيعات بتزكية من الملك، بل رأينا بعضها حين حرّك العثماني بموافقةالقصر مسألة سبتة ومليلة، ما دفع بإسبانيا للاحتجاج على تصريحاته بشكل رسمي.. ثمّ إنّ العدالة والتنمية يراهن على شعوب ذاكرتها قصيرة، وإلّا كيف سيعاقب حزب العدالة بينما التطبيع جاء من الملك الذي يملك هو ووالده علاقات ضاربة مع الاحتلال الإسرائيلي ورغم ذلك يتمتّع كلاهما بشعبيّة كبيرة في المغرب!
عرّض العدالة التنمية وحدة نسيجه الى التصدع، حيث بانت الشروخ منذ ليلة توقيع البروتوكول، خسر الحزب ماء وجهه لكن خصومه في الساحة أيضا أصابتهم خيبة، فقد كانوا يترقّبون جنوح العدالة إلى الرفض والوقوف في وجه التطبيع مقابل إخلاء مواقعه التي هيمن عليها طوال عشر سنوات، والحقيقة أنّ مشكلة خصوم الإسلاميّين في المغرب مشكلة عويصة ومزدوجة، فلا العدالة تمرد على الملك وترك لهم السلطة ولا العدل والإحسان هادن الملك وترك لهم المعارضة..!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!