مقالات رأي

تونس بين مجهول وآخر

حين أقدم رئيس الجمهورية قيس سعيد على تكليف السيد هشام المشيشي بتشكيل الحكومة، كان من الواضح لدى المتابعين للساحة السياسية في تونس أن مبررات هذا الاختيار تدور أساسا حول الاستقلالية والكفاءة. أي أن هذا الاختيار إنما جاء أصلا لتكريس القطيعة مع الأحزاب. وقد تأكدت هذه القناعة حين أعلن السيد رئيس الحكومة المكلف أنه يعزم تشكيل حكومة “كفاءات مستقلة تماما”، مبررا ذلك بحاجة البلاد إلى تجاوز الأزمة سياسيا وإيقاف النزيف اقتصاديا واجتماعيا.

بعد بضعة أيام فقط من تقديم تشكيلة السيد المشيشي للبرلمان، يبدو من الواضح أن الأزمة السياسية ليست على وشك الانفراج. بل لعلها قد تزداد حدة وعمقا بحكم أن رئاسة الجمهورية قد أصبحت الآن جزءا لا يتجزأ منها.

وفضلا على أن ذلك يعني أن السيد الرئيس قد يفقد تدريجيا القدرة على لعب دور المجمع والوسيط والحكم بين مختلف الفرقاء السياسيين، فإن المحاولة التي أقدم عليها السيد قيس سعيد لملأ الفراغ الذي رأى أن الأحزاب السياسية قد تركته جعلته يجد نفسه مورّطا في السياسة بالمعنى الذي يرفضه للكلمة. ذاك بالنسبة له منزلق قد يؤدي تدريجيا إلى تحويله إلى سياسي عادي كباقي السياسيين، هو الذي بنى سمعته السياسية على أنه سياسي فوق السياسة.

بعد بضعة أيام من تقديم التشكيلة الحكومية المقترحة، هاهي تونس تجد نفسها أمام معضلة المجهول، سواء أحظيت الحكومة بثقة البرلمان أم لم تحظ. وعنوان المجهول معلوم على فرض عدم منح الثقة للتشكيلة التي اقترحها السيد هشام المشيشي: ماذا بعد؟ وهل لتونس أن تتحمل التبعات في ظل الأزمات الصحية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة؟

أما في حال مرورها، فعنوان المجهول سيكون: الحكومة نفسها وبرنامجها وعلاقتها بباقي المؤسسات، وخاصة منها رئاسة الدولة والبرلمان. بل إن الجمهور العريض لا يعرف اليوم شيئا عن هؤلاء الذين قد يتولون غدا مقاليد السلطة التنفيذية. فجل الأسماء المقترحة أقرب إلى النكرة. وإذا كانت الأغلبية الساحقة من المتابعين للشأن السياسي في تونس تؤكد أنها لا تعرف جزءا هاما من الأسماء المقترحة، فلنا أن نتخيل محدودية وقعها في آذان عموم الشعب الذي يحب أن يتوجه له رئيس الجمهورية. إن هذا الجمهور يبدو مقبلا على احتمال أن يحكم من قبل وزراء لا يعرفهم، ولا يعلم أفكارهم ولا مبادئهم ولا حتى سيرهم الذاتية، وذلك دون الحاجة إلى ذكر إمكانية تشابه الأسماء التي كثر الحديث عنها خلال الأيام الأخيرة.

هنا لا بد من التنبيه إلى أن كلمة “نكرة” ليست بالضرورة مذمة ولا حتى حاملة لمعنى سلبي. فأكثر الناس إفادة للمجتمع من أطباء ومهندسين وباحثين وأساتذة وأصحاب كفاءة هم في أغلبهم غير مشهورين لدى الرأي العام. هم معروفون طبعا في أوساطهم الاجتماعية والمهنية. ويحضون أحيانا بكل التقدير والاحترام. ولكنهم خارجها، أي عند الرأي العام، يعملون في الخفاء. وأن تكون نكرة بهذا المعنى لا يعني أن تكون غير مفيد. فليست الشهرة بدليل على القيمة. وكثيرا ما يكون العكس أقرب إلى الصواب.

لكن هل يعقل في دولة ديمقراطية أن يتولى الحكم أشخاص لا يعرفهم عموم الناس؟ من الواضح أن منطق المحاسبة الديمقراطية يأبى ذلك، ناهيك عن مبدإ المنافسة السياسية الذي هو شرط من شروط الديمقراطية.

إن الدكتاتوريات هي التي تتميز بإسناد المناصب السياسية لقيادات لا يعرفها الناس. ذلك أن الدكتاتور عادة ما يعتبر نفسه السياسي الوحيد في البلد. ويدفعه احتكاره هذا لتجنب كل اسم يوحي بالقدرة على منافسته. ومن ثم ضرورة استدعاء التقنقراط والبيروقراط الذين يفيدونه بكفاءاتهم ولا ينافسونه بوجاهاتهم.

هل يمكن للديمقراطية أن تحاكي هذا النموذج؟ ذاك عسير إلى درجة تلامس الاستحالة. بل إن الديمقراطية حين تنحو هذا المنحا تثمر هجنة غريبة يمكن التعبير عنها بالتقنقراط ضعيفي الكفاءة، أو لعلها تدفع إلى الواجهة ببيروقراط بلا قدرة على القيادة.

إن صاحب السلطة في النظام الديمقراطي حين يريد أن يأتي بمن يفيد دون أن ينافس يحتاج إلى اختيار كفاءات يظن أنها تدين له بالولاء. أي أنه يقع في تناقض واضح بين غياب النزعة السياسية لديهم من حيث أنهم مستقلون، وحضورها من وجهة كونهم يدينون له بالولاء كصاحب سلطة. المشكل أن الكفاءات الحقيقة لا تحب أن تدين بالولاء للأشخاص. قد تضطر لذلك تحت سطوة الدكتاتورية خوفا. ولكنها لا ترى داعيا لما تعتبره هوانا في ظل حماية الديمقراطية. وحين يقترح صاحب السلطة مثل هؤلاء، يعتقدون أن قراره يعبر عن كفاءتهم. قد يشكرون ويعترفون بالجميل، ولكن ليس أكثر. أي أنهم لا يذهبون إلى حد اعتبار صاحب السلطة ولي نعمتهم.

السؤال: من يقبل أن يكون صاحب السلطة هو ولي نعمته؟ الجواب: ضعيف الكفاءة. فمن ليس له كفاءة يطمإن لها ويشعر بالاستقلالية عن الأشخاص والسلطة من خلالها هو الذي يقبل بالولاء للشخص. إن لهذه الظاهرة اسما في علوم الإدارة. وهو الكاكيستوقراسيا (kakistocratie). وتعني الترقية بفضل قلة الكفاءة التي تبرر الالتزام بالولاء.

لقد انتقد المثقفون في تونس الولاءات الحزبية، فما عساهم الآن يحكمون على البديل. والبديل هو الولاءات الشخصية. وفي تونس نريد ديمقراطية بلا أحزاب، ونريد سياسة بلا سياسيين، فما يا ترانا فاعلون لو اكتشفنا أننا نتوجه حثيثا نحو حكم تقنقراط بلا كفاءة أو بيروقراط بلا قدرة على القيادة؟
د أيمن البوغانمي

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!