ثقافة

“ربِّ السِّجْنُ أحبُّ إليّ…”/ لماذا النّبوّة بالسّجن؟

ميديا بلوس-تونس-تحت عنوان “ربِّ السِّجْنُ أحبُّ إليّ…” يوسف 33. أو لماذا النّبوّة بالسّجن؟، كتب الأستاذ البشير العباسي يقول:

1/ في البدء. إنّ العمل الفنّي ليشدّ المتابعين، ومن المتابعين نظّارة يتابعون القصّة، ومنهم من يتأمّل ويحفر في الصّورة، فينكر، ربّما وهما، تحريم تجسيد صورة النّبيّ،وهذا مثار جدلٍ، ولا حاجة لي به. بل أدعو القارئ الكريم أن يحفظ هدوءه وهو يتابع في خلوته المسلسل (يوسف الصدّيق) وبذلك الهدوء عينه يقرأ المقال. إنّ هذا العمل الفنّي يأخذني لأُعْمِلَ الفكر في قضايا حضاريّة راهنة تمسّ الواقع المرير، فالنّبوّة حقّ النّاس على الله تعالى، فإنّه لم يخلقهم ليهملهم، وحاشا الله تعالى، فاقتضت تلك الرّعاية والعناية أن لا يعذّب الله أمّة أو قرية حتّى يبعث رسولا. قال سبحانه: “وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا” الإسراء 15. وقال: “وإنْ مِن أمّة إلاّ خلا فيها نذير” فاطر24. ولمّا كان كذلك قضاء الله وعهده ووعده، فإنّ أمّة السّجن بعث اله فيهم نبيّا منهم يدعوهم للإيمان بالله الواحد، ويدعوهم إلى الإصلاح وإلى تمكين النّاس من حقوقهم، فلئن كان الطّاغية يراقب المدينة ويهمل المساجين فإنّ الله بعث في أمّ السّجن نبيّا، وانطلق الإصلاح من السّجن… الحياة تولد من الميّت. هذا مدخل مهّدتّ به لتأمّل السّجن، المعنى والدّالالة،ثمّ الحكمة والغاية.

2/ القصّة…” أحسن القصص” يوسف 3. لئن نزلت آيات سورة القصص تسلية للرّسول ومواساة له وصاحبه في الغار فقصّ عليه قصّة موسى عليه السّلام مع فرعون وتفنّن في عرض القصص شدّا لعزيمة رسوله عليه أزكى السّلام، فإنّ الله لم يسمها بهذا الوسم. “أحسن القصص” ولكنّ قصّة يوسف عليه السّلام كانت بهذا الوسم تميّزا، ولذّة، ورحلة في التّاريخ، ومواجهة المحن والابتلاءات والمصائب، ثمّ تختم بالمكارم والمعالي والرّحمات.

أ/ الابتلاءات. صبيّ ما زال يتلذّذ حضن أمّه تموت ويبقى يتيما،تحتضنه عمّته فتموت، هذا قانون اليُتْمِ،وكذا عاش رسول الله يتيم الأمّ، ولكن لمّا كان الإعداد لغايات أعظم كان اليتمُ أكبَرًا، فقد فقد الأب والأمُّ حُبْلى به. فكان يُتْمُ يوسفَ بعضَ يُتْمِ رسول الله. ولئن تلذّذ يوسف حضن أمّه فما نال رسول الله ذلك. وكلّه إعداد لمهمّة أشدّ وأكمل. أمّا غيابات الجبِّ فلعلّها إشارة خفيفة إلى تحنّث الرّسول الكريم في غار حراء. ولعلّ للقصّ القرآني إيحاءات أخر،كالظّلمات الثّلاث، الرّحم والتّكوين، فكان البئر ليوسف تكوينا وكان الغار للنّبيّ محمّد إعدادا. لكن الوضعيّة متابينة الغايات النّهائيّة، فالبئر إكراه الإخوة، فهو من خارج الإرادة. أمّا كهف رسول الله فهو إعداد ظاهره اختياريّ، وباطنه تكوينيّ للتمّل، ولا تستعجل فليس تحمّل أعباء الوحي فقط، بل تذكّرأعباء الهجرة والمطاردة ومحاولة لاغتيال. اختلفت سنّ التّحميل، فاختلف العبء والتّكليف. التفت إلى ناحية الزّمن، فالنّبيّ حبّب إليه الخلاء في فتوّته، وكان من قبل في خرج إلى الرَّضَاعَةِ في البادية وتعرّض لحادثة شرح الصّدر: “ألم نشرح لك صدرك”. ويوسف ألقي إكراها في غيابات الجبّ وهناك آنسه جبريل. لقد تقاطع المشهد لكن مع مراعاة تباين زمن التّكوين والتّلقي، ذلك أنّ يوسف يُعَدُّ نبيّا فقط،أمّا محمّد فيعدّ نبيّا رسولا. ويوسف يعدّ لقطْرِ مِصْرفقط، وأمّا محمّد فيُعَدُّ للعالم كلّه. ثمّ يوسف للبَشرٍ فقط، وأمّا محمّد فللجنّ والإنس معا، وإيّاك والمقارنة مع سليمان عليه السّلام فإنّ الجنّ تخدمه فقط، لذلك لمّا سقطت منسأته قالت الجنّ أنّها كانت في العذاب المهين قال الله: “فلمّا قضينا عليه الموتَ ما دلّهم على موته إلاّ دابّة الأرض تأكلُ مِنْسَأَتَهُ فلمّا خرّتبيّنت الجنُّ أن لوكانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المُهين” سبأ14. فأنت ترى أنّ الإعداد يتناسب مع ثقل الرّسالة. ولك أن تلتفتَ إلى محنة الإفك، فإنّ يوسف ابتليّ شابّا قبل إعلان النّبوّة من سيّدته إذ راودته عن نفسه، فكان السّجن وبداية الإعلان عن النّبوّة في بضع زنين. أمّا الرّسول فانتُهِكَ عِرْضُه وهورسولٌ يقود المؤمنين، الوقع مختلف لامحالة، شابّ يتّهم كذبا، أمّا الرّسول فيتّهم كقائد، النّموذج، فهومهتوك العرض كما كاد المنافقون، وكلاهما برّأ عرضهما الله، وزاد النّبيّ براءة عرض زوجه،نافلة أخرى،أمّا زليخة فلها شأن آخر. تقاطعات كثيرة مع وجود الفارق في وقع البلوى، ولكن كلّ يبتلى بحسب التّكوين.

3/ لبُّ المُقاربة. ما سبق كان مقدّمات أساسيّة وتقاطعات هامّة، والآن آن الالتفات إلى السّجن مكان وموضع التّكليف. لقد نبّهت في البدء إلى الارتباط التّعذيب بأسبقيّة إرسال الرّسول، ونبّهنا أنّ ما من أمّة إلاّ خلا فيها نذير، والآن لك أن تتساءل ما الأمّة التّي تعني في بعثة يوسف؟ إنّها أمّة السّجناء يا صديقي. فلم تعد أمّة العرق ولا أمّة اللّسان ولا أمّة اللّون. إنّها أمّة تنعت بُهْتانا بـ”سقط المتاع” فالسّجناء بسجن (زويرا) كانوا مهملين وكما كثير من سجناء العالم اليوم، دائما ينظر إليهم أنّهم مجرمون أوسوقة أوأراذل القوم… إلخ. فإذا الله عدّهم أمّة، نوعا، كقولك أمّة النّمل، وأمّة النّحل، وأمّة الطّير. إنّ السّجناء بتنوّعهم وبألوانهم وباختلاف أجناسهم وتنوّعهم الجنسي(إناث وذكور) واختلاف مراتهم العلميّة والتّكوينيّة واختصاصاتهم المهنيّة، تجعل منهم أمّة السّجن تلك الأمّة في عصر العزيز كانت منسيّة مهملة في اعتبار التّصنيف الاجتماعي، فجاءت نبوّة يوسف لتتولّى هداية أولائك المقهورين وتكوّنهم فتحوّلهم من عالة على صندوق الدّولة وعلى المجتمع خاصّة أعوام الجدب والأوبئة والقحط والأزمات والحروب… إلخ. لقد سنّ الوحي خطّه بقصّ أحسن القصص لتنتبه أيّها الحصيف المتدبّر إلى دور طوائف مهملة فتكوّنها في السّجون وتعدّها لتنبعث منهم بعد إصلاحهم قيادات لأيّام المحن والإحن والبلوى، فكم من مُهْمَلٍ يوم العَوزِوالبَلْوى نلوذ به، واذكر ثورة العبد كذبا عنترة كيف تحوّل إلى سيف بتّار يحمي الدّيار ويصون المال والعرض، إنّ رسالة يوسف كانت تبدو غريبة في بادئ الأمر فإذا تأمّلتها انتهيت إلى تصديق قوله تعالى: “وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا” الإسراء 15. وقوله تعالى: “وإن من أمّة إلاّ خلا فيها نذير” فاطر24.

4/ الخاتمة. إنّ عناية القرآن بقصّة يوسف عليه السّلام،كما أفهم، لم تكن لنتحدّث عن ابتلائه بجريمة إخوته وإلقائه في البئرفقط،بل النّظر إلى الأمراض النّفسيّة التّي تنشأ بين الصّبية كالغيرة والحسد، فيلتفت كلّ مربٍّ لأبنائه وتلاميذه والفريق العامل معه ليحسن القول والتّثمين لنشاط الجميع مع تعديل ما يجب التّعديل. الغاية الثّانية إنّ الله لا يغفل عن أي موضع به كائن مخلوق، فكيف بالإنسان؟ إنّ علينا أن نوجّه الرّعاية والعناية بكلّ النّاس، وفي كلّ مكان نقدر الوصول إليه. الفائدة الثّالثة إنّ السّجناء ليسوا حثالة، بل هم أمّة إبداع وقدرات إنتاج وابتكار، فعلينا الاهتمام بهم وتوجيه الرّعاية لهم والمصاحبة لهم والمرافقة ليرتقوا ويسهموا في البناء الحضاري. إنّ القصّ القرآني ليس للتّلذّذ فقط، ولكن للتّدبّرفتغنم ما يناسب العصر… أليس كذلك؟

تونس في: 13 رمضان1441 هج. 6 ماي 2020.م.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق