إسلاميّات

صلاة الجماعة في المسجد زمن الوباء

ميديا بلوس-تونس– الحمد الله الذي جعل الصلاة عماد الدين، وجعلها ناهية عن الفحشاء والمنكر للعالِمين، ونبراسا إلى طريقه المستقيم لمن أراد أن يستنير. فهي تحي القلوب وتجلي الصدور وتشفي العليل وترفع صاحبها إلى درجات النعيم، وأصلّي وأسلّم على رسولنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم أقام ليلها ونهارها، وكان يقول وجُعِلتْ قرة عيني في الصلاة ويقول أرحنا بها يا بلال.
أمّا بعد أقول
إن مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء خمسٌ، حِفظُ الدين فحفظُ العقل فحفظُ النفس فحفظُ النسل وآخرها حفظُ المال.
و”الدينُ” عند أهل المقاصد شريعةُ الناس من قانون وعادات وعقائد، شريعةٌ تؤمّن لأفرادها الحياةَ الكريمة، فتسهر على أمنهم الصحيِّ والغذائي وتدفع عنهم المكاره، فتضمن لهم الاستقرار والاستمرار، وليس “الدين” بمعنى “Religion”، تلك العلاقة اللاهوتية العمودية، بل إنها علاقة أفقية معاملاتية وعمودية عبادية، ألَمْ تسمع قوله سبحانه وتعالى “ما كان له أن يأخذ أخاه في دين المَلِك الا أن يشاء الله”، والمقصود هنا من “دين الملك” شريعةُ فرعون مصر وليس تغيير عقيدة أخِ يوسف إلى عقيدة حاكم مصر أو من طقوس عبادة إلى طقوس عبادة أخرى.
وعليه فالمقصود بالحفاظ على الدين عينُ الحفاظ على قانون الدولة ودستورها والالتزام بهما. فالدولة ملزَمة بحماية ومساعدة أفرادها – والمسلم فرد منهم.
وفي عصرنا، المسؤول الأول عن الحفاظ على الدين السلطاتُ المعنية، والمواطنُ مطالبٌ بطاعتها طالما حافظت على التعايش السلمي بين أفراد الشعب على اختلاف عقائدهم وفق دستور البلد.
ولنا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ودروس وعبر في تعامله صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة ثم اليهود عامة والنصارى والمشركين، فقد حافظ على خصوصيات من دخل معه في حلف رغم اختلاف عقائدهم معه ولم يجبرهم على أن يدخلوا الاسلام، ولما غَدَرتْ قبيلة بكر وتبعتها قريش وقتلا قبيلةَ خزاعة حليفةَ الرسول صلى الله عليه وسلم وهي على الكفر هبّ النبي صلى الله عليه وسلم فنصرها إيفاء للعهد الذي بينهما وكانت سببا لفتح مكة.
ومن المعلوم من الإسلام بالضرورة أن الصلاة فرض عين على كل عاقل مسلم ومسلمة. حكم قطعي الدلالة قطعي الثبوت لا اختلاف فيه، فمن أنكر وجوبها أنكر الإسلام.
بينما صلاة الجماعة، فهي على الذكور سنّة مؤكدة عند المالكية، وفرض كفاية عند الشافعية، وقال الأحناف بوجوبها وتشدد أهل الظاهر فقالوا هي فرض عين، ورأى الآخرون أنها سنّة، لكن أجمع كلهم على كراهة، أي إسقاط وجوبها، على من دخل المسجد ورائحة فمه ثوما أو بصلا، لما في ذلك من إيذاء للمصلين وذهاب خشوعهم تحقيقا لمقصد “حفظ العقل”.
كما لا يختلف اثنان في أن الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء أيام المطر الشديد مندوب وقال بعضهم بوجوبه، كذلك الحكمُ في قصر الصلاة في السفر والحرب تحقيقا لمقصد “حفظ النفس”.
فإن لم يحضر المسلم صلاة الجماعة في المسجد فلا إثم عليه، إن لم يكن متهاونا، ولا كفارة عليه، بل وجب عليه الصلاة في مكان طاهر فردا أو جماعة على وقتها وإلا فهي قضاء.
وفي زمن “طاعون عَمْواس” سنة 18 هـ أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كصاحب السلطة، الناسَ بالتفرق في الجبال، وذلك لتحقيق مقصد “حفظ الدين” و”حفظ العقل” و”حفظ النفس” و”حفظ النسل” و”حفظ المال”. فلو مات الرجال كلهم أو معظمهم بسبب الطاعون لتوقفت الحياة اليومية وعمت الفوضى وما وَجدت الدولةُ من يدافع عنها إن داهمها عدُوٌّ.
وقد أفتى الشافعي في العراق غير ما أفتاه في مصر حفاظا على شريعة القوم الذين نزل بينهم رغم وحدة العقيدة والعبادة.
وعليه: فإن صلاة الجماعة في المسجد محرمةٌ إن أصدر ولي الأمر حكما بمنعها نظرا للضرر المتوقع، فمتى رفع الضرر رفع الحكم ورفع التحريم. فالواجب إذا أن يصلى الرجل مع أهله في بيته جماعة في فترة الحظر.
ومن المسلمات أن المسلم لا يكابر في دينه، بل عليه طاعة ولي الأمر في الشأن العام، ما لم يظلم، والشأن العام يتبع الفتوى لا الحكم العام، ولا خلاف أن الفتوى أحق بالاتباع من الحكم العام.
فمن صلى عنادا في المسجد فليعلم أن صلاته ليست من الدين في شيء بل هي مكابرة والمكابرة من عمل الشيطان، ولو أنه كان سببًا مباشرًا أو غير مباشر في إيذاء أحد المسلمين فعليه الوزرُ، يقول تعالى “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.
وما توفيقي إلا بالله وبه أستعين وبه تتم الصالحات وأصلى وأسلم على خير البشر.
تونس 15/03/2020
منار محمد السكندراني

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق