مقالات رأيوطنيّة

الاستثمار في الوباء جريمة إرهابيّة بشعة

ميديا بلوس-تونس- إنّ أرقى الشّعوب هي التي تتصدّى للمصائب بعقليّة البقاء الجماعي وليس الخلاص الفردي، تلك التي قتلت الإشاعة ووفّرت من الخوف لصالح الحيطة والحذر.
مسؤولة في حزب عبير تقول أنّ كورونا إشاعة من الوزير النّهضاوي، إعلام يتحدّث عن فشل تفاعل المسؤولين مع كورونا ويشمتون في النّاخب، كرونيكور يقول بالحرف”هذا ما كسبته أيديكم”، كوكبة من الصحفيّين والمحلّلين يشيدون بعبقريّة ماكرون ويتحدّثون عن وطنيّة رئيس الوزراء البريطاني، ويقدّمون تصريحاتهم في ثوب الحقّ المقدّس والمنطق والحلّ الأوحد واللّغة الوحيدة التي لا بديل عنها في هذا التوقيت، بينما لم يكلّفوا أنفسهم متابعة ردود أفعال الخبراء في ألمانيا وفرنسا وخاصّة بريطانيا، وجهة نظر أخرى مختلفة تماما، أكّد الكثير منهم أنّ أهمّ المعلومات حول كورونا متوفّرة لكلّ مواطن تقريبا تماما كما يملكها المسؤول، والأجدر بالقادة أن يركّزوا على الجانب المعنوي لأنّ المعركة في أحد جوانبها تحتاج معنويّات كبيرة، وتحتاج الحذر ولا تحتاج الخوف والهلع، بروفسور قال بأنّ الترهيب قد يدفع إلى الجشع ويقوّي نزعة الخلاص الفردي، وقد يتسبّب في حروب غذائيّة ومعارك مواطنيّة تدور حول الدّواء والغذاء، لذلك يرون أنّ التوّعية التفصيليّة والتحذير العلمي من مهام أصحاب الاختصاص الذين يطلّون تباعا على النّاس من الشّاشات وبقيّة المواقع الإعلاميّة، ومن خصائص القادة الاعتناء بالجانب النفسي.
هذا لا يعني أنّ تلك هي اللّغة العلميّة السائدة، فغيرهم من الخبراء تبنّوا الخيار الذي ذهب إليه قادة ألمانيا وفرنسا وبدرجة أقلّ بريطانيا، الذين انحازوا إلى خلفيّة علميّة مغايرة، خاصّة المستشارة أنجيلا ميركل التي تقريبا لم تقدّم الإضافة الشخصيّة واكتفت بتمْسيك المعطيات التي قدّمها فريقها الاستشاري المختصّ.
لذلك وفي مثل هذه الحالات لا يجب الحديث عن معادلة رياضيّة تحكم التعامل مع الأزمة الصحيّة العالميّة، لأنّ المسألة تخضع إلى مدارس نفسيّة وكيفيّة التفاعل مع الهلع والخوف والطرق في ذلك متعدّدة، منهم من يذهب إلى اعتماد الصدمة لتغذية الخوف ومن ثمّ رفع درجة الحيطة عند النّاس، ومنهم من يخالف ذلك تماما، وكلّهم خبراء ولديهم باعهم في المجال، ومن أراد الاقتراب أكثر من الصّورة عليه بملاحقة الدراسات والتقارير والمقالات والحوارت التي أعدّت في الغرض، خاصّة تلك التي أثّثها خبراء لديهم باعهم وصيتهم.
الأكيد أنّ العالم حاليّا أمام وضعيّة حرجة، ومن تابع معركة منظّمة الصّحة العالميّة مع سارس الذي هو أكثر فتكا من كورونا المتجدّد وأقل انتشارا، وكذا مع إيبولا الذي فتك بــ11 ألف إنسان وإنفلونزا الخنازير وميرس، سيدرك أنّ المسألة أكثر حساسيّة، وعليه لابد من الإرتقاء بحالة الوعي الفردي والجمعي، والبعد عن العبث المجنون لدى البعض حين يصّرون على استعمال وباء كورونا لجني بعض الأرباح السّياسيّة أو الحزبيّة الضيقة، هؤلاء تجاوزا مرحلة الإجرام إلى مرحلة الإجرام الغبي الشّامل الذي يجبّ الحجر عليه! لأنّ المطلوب من الأطبّاء والخبراء والباحثين العناية بالمرضى والاشتباك المباشر مع الفيروس خاصّة داخل المخابر في سباق محموم مع الزمن، أمّا دور البقيّة فهو الإسناد والحذر الإيجابي والاحتشاد لمجابهة الكارثة، وليس العبث كذاك الرّضيع الذي يداعب رمّانة يدويّة توشك أن تنفجر في وجهه قبل وجه أمّه.
من ضروب الوعي المتدنّي ما رواه أحد المدوّنين المصريّين، أنّ عيادة طبيبه المنزلي كانت مكتظّة من الصباح إلى حدود السابعة مساءا، فخيّر هذا الطبيب أن يخرج للقيام بتوعية خاطفة في قاعة الاستقبال حول مرض كورونا المتجدّد، تحدّث عن تفاصيل دقيقة، عن مسافة الأمان، عن السّعال، عن العطاس، عن اللّمس، عن الأكل في الأواني الجماعيّة، عن اجتناب المصافحة حتى داخل البيت الواحد، فقاطعته سيّدة بسؤال “دكتور وماذا عن العلاقات الزوجيّة هل تنقل الفيروس؟” حينها قام الطبيب بتهشيم نظارته ونزع المنديل وألقى به في وجه الممرّضة وقال لها” يعني أقلها سعال تقولي…بنت الكلب، شوفي طبيب بيطري للباهيم دي أنا خلاص” ثمّ غادر عيادته.
إذا هي معركة الوعي والتركيز، معركة النّظافة والكثير من الإيثار، هي محاربة الآفات التي تستثمر في كورونا قبل محاربة كورونا نفسها.. ثمّ قبل ذلك وبعد ذلك وخلال ذلك ودائما وأبدا وإلى قيام السّاعة ” قل إنّ الموت الذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم ثمّ تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون”، ثمّ الانصياع الليّن الأمين لتوصيات السلطات الصّحيّة والرّضا بقدر الله والتمعّن المطمئن في الآية 78 من سورة النّساء ” أينما تكونوا يدرككّم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة”، ثمّ وبعد الأخذ الحازم بالأسباب يأتي الركون الجميل إلى القرار الربّاني الخالد “وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجّلا..”

نصرالدّين السويلمي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الاستثمار في الوباء جريمة إرهابيّة بشعة”

  1. نعم، ويجب ايجاد حل سريع لإيقاف هؤلاء عند حدهم عندما يتعلق الأمر بحياة شعب بأكمله، جرذمة منهم في مجلس نواب الشعب، وأخرى من المرتزقة متمركزين على أبواب مواقع التواصل الاجتماع، و الأخطر من أولائك كلهم، تلك الفضائيات التي يديرها عملاء وخونة بالوكالة لفائدة قوى معادية لبلادنا… لقد آن الأوان أن ندرك ونحدد أولوياتنا عندما يصبح الأمر يتعلق بالحياة والموت : مواجهة الدمار أو “الديمقراطية” التي صنعت من طبالة الدكتاتورية عربيدة…

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق