ثقافةفوائد لغويّة

صحة قولنا: الرجل نفسه، أو نفس الرجل!؟/ بقلم د. حمدي المارد

ميديا بلوس-تونس-أحال إليّ الأستاذ عثمان التهامي ما نشره الأستاذ حسين الساكت لمقالة الأخ الأستاذ د. علي أبو لاجي من النيجر/ الجامعة الإسلامیة الذي تساءل فيها عن تخطئة بعض الباحثين لعبارة ” نفس الرجل” في كتبهم المعنونة بـ “قل ولا تقل” أو الأخطاء الشائعة” وغيرها، ويذهب إلى أنّها من أوهام بعض النحاة… وأقول بعد التوكل على الله: أنّا أتفق مع مضمون ما كتبه الأخ الأستاذ د. علي أبو لاجي في هذه المقالة، ولكنّي أختلف معه في مسألتين، الأولى: قوله: إنّ هذا “من وهم النحاة” في الوقت الذي لم يخطّئ النحاة قول من قال: “نفس الرجل” إلا في أسلوب التوكيد فقط، وهو رأي صحيح أجمعوا عليه، ولا خلاف، ولا وهم فيه، ولم يذكر أحد منهم تخطئة من قال: “نفس الرجل” خارج أسلوب التوكيد. والثانية: استشهاده باللغة الإنجليزية على العربية ــ وإن بدا قوله صحيحًا ــ فهو لا يجوز، فالعربية أمّ اللغات التي حافظت على قواعدها وأساليبها وثوابتها الأساسية، وجذورها العميقة بفضل القرآن الكريم، وأظهرت قدرتها على التطور الطبيعي بمعايير وقوانين ضابطة، لا يمكن أنْ نثبت صحة أساليبها وتعابيرها، بلغة أخرى كالإنكليزية التي تختلف خصائصها وأساليبها عنها، وهي متغيّرة ومتبدلة، ومنقطعة عن جذورها القديمة، فابن هذه اللغة يحتاج لفهم نصّ كتب قبل خمسين عامًا إلى العودة إلى معاجم لغته ، لذلك لا يصحّ الاستشهاد بها على لغة أصيلة عريقة كالعربية. أمّا بخصوص توضيح موضوع صحة العبارتين يجب أنْ نعرف الفرق بين التعبيرين:
أولا: التعبير الأول “الرجل نفسه”: وهو يستخدم في أسلوب التوكيد الذي يفيد تحديد القول ومنع اللَّبس والتَّوهّم بالمجاز في الكلام، وفي تقوية الكلام وتبيينه بالحصر والتَّحديد ليكون المعنى واضحًا بشموله وإحاطته، ويخلو من اللَّبس والتَّوهُّم. فـ “نفس وعين” يستخدمان في التوكيد المعنوي لدفع السهو أو النسيان أو يؤكد بهما رفع المجاز عن الذات، فإذا قلنا: “جاء خالد نفسه أو عينه”، فأتينا بالتوكيد هنا لرفع المجاز عن الذات، فعندما نقول: “جاء خالد”، فالسامع يتوقع عدة أمور منها: أن يكون الذي جاء هو خالد بذاته، أو أنْ يكون جاء خبرعنه، أو شيء عنه، أو حديث عنه، أو تحدث الناس عنه، ومنها أن يكون الذي جاء هو كتابه أو رسالة منه، فليس هو الذي جاء، وإنّما شيء يقوم مقامه، كلّ هذه الأمور محتملة، لكننا إذا قلنا: “جاء خالد نفسه” رفعت المجاز؛ لأن مجيء الخبر، أو مجيء الرسول الذي ينوب عنه، أو الكتاب الذي يُخبر عنه إنزالها في منزلته، فهي من باب المجاز، لرفع هذا المجاز، وتُبَيِّن الذي جاء هو الرجل نفسه على سبيل الحقيقة، فبتوكيد “نفسه” رفعنا كلّ الاحتمال عن الذات، وصار الكلام نصّا على ما هو الظاهر منه، وارتفع المجاز وأثبتنا الحقيقة. ولا يكون المؤكَّد فيه إلَّا اسمًا ويكون التَّوكيد المعنويُّ بألفاظٍ محصورةٍ منها “نفس وعين”، فيجب أنْ يؤخر المؤكِّد عن المؤكَّد، ويضاف إلى ضميره الذي يطابقه في التَّذكير والتًّأنيث ، والإفراد والتثنية والجمع، نحو: حضر الرجل نَفسُه، أوعينُه، اعتذر الرجال أعينُهم أو أنفسُهم… وإذا أكد المثنى بأحدهما، فإنّه يجوز فيه ثلاثة أوجه: الأفصح الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية، فنقول: جاء الرجلان أنفسهما، وجاء الرجلان نفسهما، وجاء الرجلان نفساهما. وإذا قال قائل: كيف يصحّ أنْ نقول: نفسهما مع أنهما اثنان ونفس واحدة ؟ فنقول: لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يكون للعموم. ولا يجوز تقديم ألفاظ التوكيد على المؤكد، ولا يجوز قطعها إلى الرفع، وهذا رأي علماء النحو جميعا.
ثانيا: جواز قولنا:” جاء نفس الرجل” في غير أسلوب التوكيد: فكلمة “نفس وعين” هما كلمتان يحق استخدامهما في الأساليب العربية الأخرى، ولا حرج في ذلك. ويحملان معنى خالص الشيء وحقيقته. أمّا ما شاع من عدم جواز استخدام عبارة ” نفس الرجل” فهو في أسلوب التوكيد فقط، كما ذكرنا في المسألة الأولى، أمّا في الأساليب الأخرى فهو جائز، فقد استخدمها علماء النحو، وفي مقدمتهم شيخهم سيبويه الذي قال في كتابه :”وتجري هذه الأشياء التي هي على ما يستخُّفون بمنزله ما يحذفون من نفس الكلام” . وقال في الكتاب أيضا: “وذلك قولك: نزلت بنَفْس الجبل، ونَفْسُ الجبل مُقابِلي”… وقال الزمخشري في المفصل عند حديثه عن منع إضافة الشيء إلى نفسه: “فأما نحو قولك: جميع القوم وكل الدراهم وعين الشيء ونفسه فليس من ذلك ” يريد أنه جائزٌ غير ممنوع وليس من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وقد تولى شراح المفصل بيان هذا الكلام وقالوا: إن نفسه وعينه هنا بمعنى خالص الشيء وحقيقته ويقول الجاحظ: “ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن عمله في نفس المعرفة”. والذي يفهم من ذلك كلّه أنّه يجوز لك أن تقول، بشكل عام: قرأت الكتاب نفسه، وقرأت نفس الكتاب. فلا تكون مخطئا من الناحية التركيبية؛ ولكن يجب أن نتنبه إلى أنّ بين الاستخدامين فرقًا، ففي قولنا: قرأت الكتاب نفسه توكيد للكتاب يزيل الشبهة، ويبعد الظنّ بأنّ القراءة كانت عن الكتاب أو هي سماع بأمر الكتاب أو قراءة لما يشبه الكتاب. أما في التركيب الثاني وهو: قرأت نفس الكتاب، فهو بمعنى قرأت لبّ الكتاب وجوهر الكتاب وأهمّ ما فيه من محتوى. والله وأعلم

اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!