ثقافةفوائد لغويّة

ضمّ هاء “عليهُ” في قوله تعالى: (وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ)، وهاء “أنسانيهُ” في قوله تعالى: (وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ).

ميديا بلوس-تونس-سألني أخ كريم قائلًا: لماذا ضُمّ هاء “عليهُ” في قوله تعالى: (وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الفتح: 10 !… وبعد التوكّل على الله أجيبه، وأقول:
*أولا: إنّ الضمّ والكسر هما قراءتان صحيحتان متواترتان. والقراءات المتواترة جميعًها، أخذها النبيّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن جبريل عليه السلام، وقرأ بها، وتلقاها عنه الصحابة من بعده، وأقرؤوا بها، فلا مجال لأدنى شكّ في صحتها، ثم نقلت بالأسانيد الصحيحة عن أئمة القراءة المتصلة أسانيدهم به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ووردت قراءة ضمّ الهاء في القرآن كلّه مرتين في الآية التي سألت عنها، وفي (أَنسَانِيهُ) في قوله تعالى: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا): الكهف :63. ومن المعروف أنّ هذه الهاء تسمَّى: هاءَ الكناية؛ حيث يكنى بها عن المفرد المذكَّر الغائب، واطلق عليها القرَّاء هاء الضمير؛ واتفقوا على مدِّها بالواو إذا كانت مضمومة، وبالياء إذا كانت مكسورة، بشرط أنْ تقع بين حرفين متحركين .
** ثانيًا: سبب ضمّ الهاء وكسرها في الآيتين: ولهذا الضمّ والكسر أسباب عدّة اجتمعت متضافرة وأدت إلى الحركتين:
1 ــ الضمّ: وعلّة ضمّ الهاء يعود إلى أنّ أصلها هو الضمير “هو” فلمَّا أرادوا وضع المتصل المنصوب الغائب, اختصروا مفرده من المرفوع المنفصل الغائب، فحذفوا حركة الواو من الضمير “هو” وبقيت الهاء وحدها عندما صارت ضميرًا متصلا. ومن الأسباب الأخرى للضمّ هو تناسبه مع معنى التعظيم والرفعة والأهمية الذي ورد في سياق الآيتين، كما سنشرحه لا حقًّا. وكما أنّ هذا الضمّ هو لغة هذيل وهي لغة عربية صحيحة. وقراءة الضّم هي قراءة حفص.
2ــ الكسر: وهو العارض وعلته، يعود إلى مجاورة الهاء للياء الساكنة، أو لوقوعها بعد كسر، نحو: “بِهِ “، فحينئذ تكسر اتباعًا، بشرط ألا تتصل الهاء بضمير آخر، فإنَّها إن اتصلت تضم نحو: يعطيهُموه ولم يعطهُموه، ففي حالة مجاورته للياء الساكنة يكسر اتباعًا، لأنّها حرف ساكن والساكن حاجز غير حصين، وهو جنس الكسرة، فاتباع الكسرة ِالكسرةَ واضح معروف في علم الصرف، وكما أنّ بعضهم يرى أن الياء كسرة طويلة، وربّما تكون المسألة تخضع للتناسُب الصوتي. وقراءة الكسر هي قراءة الجمهور.
*** ثالثًا: تفاصيل ضمّ الهاء في (عليهُ الله) وفي (وَمَا أَنسَانِيهُ)، فهما قراءة حفص رحمه الله، في روايته عن عاصم، وقد وافقه في هذا الوجه قارئ أهل مكة محمد بن عبد الرحمن بن محيصن رحمه الله، وعند الوقف على كلمة “عليهْ”، فإنه يوقف عليها بالسكون عند الجميع. وسبب هذا الاختيار يعود إلى:
1 ــ قيل: إنّ حفص اختار قراءة الضمّ رجوعًا للأصل، وللدلالة على ثقل العهد الذي أخذه الإنسان على نفسه مع الله؛ لأنّ الوفاء بالعهد مع الله أمر فيه ثقل ويحتاج إلى مجاهدة للنفس… لذلك اختار الضمّ؛ لأنّه أثقل الحركات، وهو يؤدي إلى تعظيم وتفخيم لام اسم الله في هذا العهد (ومن أوفى…) ويتناسب مع ثقل الوفاء بالعهد مع الله، والذي يَقْتضي إظْهار قوة الله وعظمته في النطق بأسمائه، والضّم مناسب للرفعة، ولهذا أطلق بعض العلماء على الهاء المضمومة هاء الرفعة، ففي كلمة (عليهُ) في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الفتح: 10،لأنّ الآية نزلت ببيعة الرضوان التي بايع الصحابة فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في الحديبية، وسميت ببيعة الرضوان لقوله تعالى: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) الفتح:18، وهذا الجوّ هو جوّ تشريف وتكريم من الله للصحابة السعداء المبايعين، فهو جوّ رفعة، فعبر عنه لفظًا بضمّ الهاء عن هذه الرفعة.
2 ــ واختيار حفص قراءة الضم في (أنسانيهُ) في قوله تعالى: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ)، وكان القياس أنّ يقول “أنسانيهِ” بالكسر، فضمّها، لأنّ نسيان الحوت بالنسبة لهما في رحلتهما من أثقل الأمور وأصعبها، فلو لم يجد الحوت لتعطلت الرحلة… ويريد بهذا إبراز تعظيم العذر حتى يقبل منه. والله أعلم.

د. حمدي المارد

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق