إسلاميّاتثقافةفوائد لغويّة

لماذا جاء ﴿الصابئون﴾ بالرفع، ولم يرد منصوبًا بالعطف على اسم “إنَّ” المنصوب!؟

ميديا بلوس-تونس-وردتني عقب نشر موضوعي حول نصب ﴿ المقيمين﴾ أسئلة عن رفع (الصابئون﴾ التي تعرضت لزيف وافتراءات الجاحدين والمشككين، ولمّا كنت قد نشرت موضوعًا قبل سنتين عن هذه المسألة أعيد نشرها اليوم، ونصّها: سألني أخ كريم عن ﴿الصابئون﴾ في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُونَ﴾ المائدة:69، فلماذا رفعت في الوقت الذي تبدو أنّها معطوفة على منصوب…؟؟ وبعد التوكّل على الله أقول: إنَّ التنوع القرآني في استخدام الأساليب والكلمات أو الحروف أو علامات الإعراب لها معان وأسرار كثيرة، فقد جاء “الصابئين” بياء النصب في سورتي البقرة والحج، ولكنّ ﴿الصابئون﴾ جاء مرفوعا في هذه الآية في الوقت الذي يشير ظاهر السياق إلى أنّه معطوف على المنصوبات التي سبقته؛ لأنّ ﴿الذين أمنوا والذين هادوا﴾ في محلّ نصب اسم إنّ التي في صدر الآية. ووردت قراءته بالرفع، كما رسم في المصحف. ورفع بسبب التقديم والتأخير حسب ترتيب الأزمنة مع نيّة التأخير، فقدّم في اللفظ وأخّر في النيّة، فقدّم ﴿الصابئون﴾ على النصارى هنا لفظًا لتقدُّم زمنِهم، فجاء بالرفع؛ ليبيِّن أن مرتبتهم التأخير؛ لأنَّ المعطوفَ على اسم “إنَّ” بصيغة المرفوع، إنَّما يُعطَف بعد تمام الكلام، فالمعنى وترتيبه يقتضي أنْ يكون ﴿الصابئون﴾ متأخرين عن أهل الكتب السماوية والإيمان، فهم لا يثبتون على دين، وينتقلون من ملّة إلى ملّة، وليس لهم كتاب من الكتب السماوية، ويدخل في تسميتهم هذه كلّ الناس من غير أهل الإيمان، كالمجوس وعبدة النجوم وكلّ الوثنيين… وكان عليه أنْ يؤخر ذكرهم بعد ذكر النصارى، لكنّه سبحانه وتعالى راعى التسلسل الزمني، فظهورهم كان قبل النصارى، وقبل بعثة سيدنا عيسى عليه السلام، فحافظ في هذا الأسلوب العربي البليغ من جهة على سبقهم الزمني، ومن جهة أخرى على تأخر مرتبتهم، وإنْ تقُدِّموا في الزمن واللفظ؛ لأنّ مرتبة المؤمنين من أصحاب الكتب السماوية مقدمة على مرتبة الكافرين. ولهذا الرفع توجيهات إعرابية أهمها:
*أولًا: الآية فيها تقديم وتأخير، فرفع ﴿الصابئون﴾ بنيَّة التأخير عن مكانه، ويكون سياق المعنى: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، من آمن بالله… فلا خوف عليهم، ولاهم يحزنون، والصابئون كذلك، فيعرب مرفوعا كونه مبتدأً، ثمَّ يكون التقدير: “والصابئون كذلك”، والشاهد فيه: رفع المعطوف ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾، وقد عطف بالرفع قبل استكمال الخبر ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في جملة المعطوف عليه. فيعرب عندها ﴿الصابئون﴾: مبتدأ… وهو محمول على التأخير، وخبر المبتدأ محذوف، والتقدير: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾،أو خبره جملة (من آمن بالله…) أو خبر ﴿الصَّابِئُونَ﴾ محذوف تقديره: “كَذَلِكَ” والنيَّة به التَّأخير عمَّا في حيِّز “إنَّ” واسمِها وخبرها، أو دلالةِ خبر الأول عليه، والنصارى معطوف عليه. وأمّا خبر “إنَّ” فمحذوف دلَّ عليه خبر المبتدأ. ولهذا الأسلوب من الشواهد الكثيرة في لغة العرب، ومنها قول الشاعر:
فمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ *** فَإِنّي وَقَيَّـــارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
والشاهد فيه: ” قيار”، وهو اسم فرسه، أو جَمَله؛ أتى مرفوعا على أنَّه مبتدأ، ولم يأت منصوبًا على أنَّه معطوف على اسم “إنَّ” المنصوب وهو ياء المتكلم في قوله: “فإنَّي” فعطف بالرفع قبل استكمال الخبر. فيكون التقدير: “فإنِّي لغريب وقيار كذلك” ويقوّي هذا الوجه أنّه شائع في اللغة حذف الخبر من الثاني لدلالة خبر الأول عليه، كقول الشاعر: وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُمْ *** بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِي شِقَاقِ
ويكون المعنى: فاعلموا أنَّا بغاة وأنتم كذلك.
**ثانيا: العطف على محلّ اسم “إنّ” بالرفع: فرفع ﴿الصابئون﴾ عطفًا على محلّ اسم “إنّ”، أي: إذا أُتِيَ بعدَ اسمِ “إنَّ” وخبرِها بعاطف جازَ في الاسمِ الذي بعدَه وجهانِ: أ ــ النصبُ عَطفًا على اسمِ “إنَّ”، نحو: “إنَّ زيدًا قائمٌ و عمرًا “ً. ب ــ الرفعُ، نحو: “إنَّ زيدًا قائمٌ وعمرٌو”. وقد ذكر سيبويه عن بعض العرب الثقات الذين قالوا: “إنَّك وزيد ذاهبان”، أي رفع الاسم المعطوف على محلّ اسم “إنّ” قبل ذكر الخبر، وهذا مخْتُلِفَ في حكمه فتعيّن نصبه عند جمهور النحاة، وأجازه بعض النحاة. والمشهور في إعرابه أنّه معطوفٌ على مَحَلِّ اسمِ “إنَّ”؛ فإنَّه في الأصلِ كان مرفوعًا لكونِه مبتدأً قبل دخول “إنّ” على الجملة الاسمية، والرفع يتناسب مع مرتبتهم في التأخير؛ لأنَّ المعطوف على المحل مرتبته التأخير. وذَهَبَ قومٌ إلى أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: وعمرٌو كذلكَ
***ثالثا: العطف على موضع “إنّ” واسمها: فتكون الواو هنا لعطف المفردات، و﴿الصابئون ﴾ معطوف، ولكنَّه ليس معطوفًا على اسم “إنَّ”، وإنّما معطوف على موضع “إنَّ” واسمها، وهما في موضع رفع على الابتداء، وهذا رأْي الكسائي والفرَّاء، وهو ما يسمَّى في النَّحو بالعطف على المحلّ، ولتقريب المعنى نعطي مثالاً، فنقول: “إنَّ محمدًا قادم وأحمد”، وتعدّ “إنَّ” واسمها ” ككلمة واحدة، فلو جاءت في أوَّل الجملة فستكون في محلِّ رفع مبتدأ، وما يعطف عليها نحو كلمة “أحمد”. ومن المفيد في نهاية هذا الموضوع أننا ذكرنا أهم وجوه رفع “الصابئون”، لأنّ هناك وجوهًا أخرى، منها: أنّه مرفوع بالعطف على الضمير المرفوع في (هادوا). أو قيل: أتت “إنّ” بمعنى “نعم”، أو أنّه منصوب، ولكنه جاء على لغة بلحارث الذين يجعلون جمع المذكر السالم بالواو في كل الحالات… ويبقى الوجه الأول هو الأرجح. والله أعلم.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق