ثقافة

فلسفة الزن… فلسفة التأمل/ بقلم عماد خالد رحمة.

ميديا بلوس-تونس-وضع بوذا أسس فلسفة أخلاقية حياتية وتطبيقية هامة، عُرِفَت بسيادة التأمل والروحانيات في آسيا. والمعروف أن هذه التعاليم التي أُطلق عليها (فلسفة الزن) قد لقيت رواجاً في العالم، وتحوَّلت إلى ثورة روحية كبيرة في مجال المعرفة والحب، الذي هو جوهر تعاليم البوذية. ويُعَدُّ كتاب (فلسفة الزن… رحلة في عالم الحكمة)، للكاتب الصحفي الهندي جان جوك تولا، من الكتب الهامة، حيث تتضمن فلسفة الزن على التدريب ومنهجية تعلمها، الممارسين احترام الطبيعة، والكائنات الحية، والتحرر من المادة، والتخلي عن الرغبات، والتجرد من الادعاءات النرجسية،ورياضة اليوغا من الرياضات الهامة في هذه الفلسفة، وبالمناسبة نحن العرب وسكان الشرق المسلم والمسيحي لم نتحمس كثيراً للتعرف على فلسفة وثقافة الآخر البوذي، والكونفوشيوسي، والطاوي، أو الديانات الطوطمية أو الغنوصية أو غيرها من أديان وفلسفات. وهذا عيبٌ تأصّل فينا للأسف .

مقتطفات من كتاب فلسفة الزن: وحدها معرفة النفس يمكن أن تؤدي إلى السلام الداخلي.

تعلم منهجية الزن الممارسين احترام الطبيعة والكائنات الحية والتحرر من المادة والتخلي عن الرغبات والنجاح، وعدم الإعجاب بالاعتراف الجماعي، والتجرد من الادعاءات النرجسية.

يفيد المذهب البوذي أن الحياة نهر مضطرب تجرف مياهه العكرة مزيجاً من العواطف والأوهام والجهالة، لكن يجب توخي الحذر، إذ لا يكفي التخلي عما هو زائف لإدراك ما هو صحيح، فالتحرر من الافكار الخاطئة لا يؤدي بالضرورة إلى الفهم الصحيح، وحتى إذا كان الأمر كذلك، فالإيمان به يصبح نتاج وهم جديد.

حدث أن الشيخ نان-أن الياباني أن استقبل استاذا بارزا من جامعة طوكيو كان يرغب تعلم فلسفة الزن، فإذا به يصب الشاي في كأس ضيفه دون انقطاع، فلم يتمالك هذا الاخير نفسه من الصراخ: إن الكأس امتلأ حتى فاض، عندئذ أجاب الشيخ: لا يمكنني ملء إلا ما هو فارغ لا ما هو مملوء، وأنت، مثل هذا الكأس، ممتلئ بآرائك الخاصة فكيف يمكنني أن أشرح لك ما هو الزن؟، لذلك ما دام العقل مستبداً، فإن الصحوة مستحيلة!

في زوبعة البشرية التي لا تهدأ يساهم الطابع الزائل للحياة و نواقص الأشياء في اضطراب الفكر الإنساني، ينتج الألم عن مجموعة من الأسباب ولا يجب اعتباره مبدأ مطلقاً ومحدداً سلفاً، وتنجم مصائرنا عن عوامل يتعين على كل كائن البحث عنها في أفعاله الماضية والحاضرة كما في حيواته السابقة، كل إنسان نتاج أعماله ولا يمكنه (رغم حفاظه على حرية الإرادة) أن يتملص من ذلك، فكل فعل إيجابيا كان أم سلبيا، يؤدي في لحظة أو أخرى إلى عواقب تؤثر على حياة فاعله.

الحياة تمضي حتماً ولا احد يستطيع فرض إرادته على مجرى الوجود المتقلب، لا شيء يدوم، ولا شيء يستمر، ولا شيء يبقى إلى ما لا نهاية، الكل يتحول ليؤول إلى الهلاك يوماً ما. وقتية الأشياء وتقلبات الوقت الدائمة تميز شرط حياتنا الزائلة.

إن جانباً كبيراً من محنة البشر تنتج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن المعتقدات المتناقضة، عن وهم الاستقرار وعن الوهم بأن الفروق في الطباع والشروط والمعتقدات تحدد بموجب قانون ثابت.

إن اتباع المذهب احتراماً أو عبادة يخلق التباسات جديدة بعيداً عن تحرر حقيقي للقلب، فكل إنسان خير ملجأ لذاته، لذا لا ينبغي البحث عن مساعدة خارجية، لأن الصعوبة تكمن في التوصل إلى السعي للخلاص واليقظة من داخل الذات في اطار الممارسة اليومية، خلافا للتقاليد السماوية، فإن البوذية، طريق الحكمة والممارسة، ليست نتاجاً لوحي إلهي وإنما مدرسة للتحرير، فمسألة الألوهة ليست مطروحة كما أن الاعتبارات اللاهوتية تبدو مستبعدة عن قصد.

أن ندرك أن الزن لا يدرك، تلك بالفعل هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة، وأن نتجنب كل إثبات قطعي، فتلك ضرورة قصوى.

من اختار طريق الزن لا يمكنه أن ينتظر سلبياً استقبال الصحوة، إن فعل ذلك، سيكون مثل عاطل جالس على حافة الطريق ينتظر ان يأتي منزله إليه، وذلك ما لن يتحقق أبداً. إنه لن يجد منزله إلا إذا مشي نحوه وذلك شأن دراسة الزن، ليس الزن مجرد منهج فحسب، بل هو ممارسة حية، مباشرة وحدسية تقرب من علم المعاملات ومن السلوك الداخلي أو من إجراء يؤدي إلى مواجهة مع الذات.

أثناء رحلة طويلة، وقف راهبان أمام نهر لا يوجد عليه جسر فقررا أن يعبراه مشياً، عندما فوجئا بامرأة جذابة تطلب منهما أن يساعداها على الوصول إلى الضفة الأخرى، اقترح عليها الأكبر سنا أن تجتاز النهر فوق ظهره، فقبلت المرأة الجميلة و شمرت ذيل ثوبها، بعدما شكرتهما تابع الراهبان طريقهما، مرت ساعات طويلة من المشي في صمت، فلم يعد الراهب الشاب يستطيع صبراً، فقال: ما الذي جعلك تساعد الفتاة على عبور النهر وأنت تعلم انه لا يجوز لرجال الدين مثلنا أدنى اتصال بالنساء؟، ابتسم الراهب الشيخ قائلاً: يبدو أنك تعبت من حمل هذه المرأة طويلاً في نفسك، أما أنا فقد أنزلتها إثر وصولنا الضفة الأخرى من النهر.

إن الحاجة الملحة للتخلص من الرغبات تخفف من وطأة الوجود، الأفكار تضلل والانفعالات تعمي والاضطراب الذهني مصدر المعاناة الانحباس، فالغرق في غمرة المشاعر والأطماع والأحقاد يمنه من رؤية الأشياء كما هي، كما إن مشاهدة الواقع دون البحث عن الحق شيء أساس، لهذا ينبغي الكف عن التمسك بالآراء.

إن إقامة الصمت داخل الذات لا تعني اعتزال العالم، بل العكس اعتناقه للشعور به وعيشه، في هذه الطريق الوعرة، تنقلب البديهيات في لمحة بصر، يقول المثل البوذي: الذي يتكلمون لا يعرفون والذين يعرفون لا يتكلمون، وشيوخ الزن ليسوا من أهل الإطناب ويشككون في قيمة اللغة ويعتبرون الكلام مبهماً، كما لا يعبؤون البتة بالامتثالية ولا يهتمون باتباع التقاليد والمفاهيم النمطية، انهم يجتازونها بحرية، ولأن الزن عسير المنال، فيمكن تناوله بطرق مختلفة حسب التعاليم.

قال أحد شيوخ الزن لمريديه: يمكنني أن اقودكم الى المسقى، لكن لا يمكنني أن أشرب بدلا عنكم، لأن الظمآن هو الذي يجب أن يرتوي بنفسه ويعمل بتجرد ومثابرة وحرية حتى لو كان ذلك يؤدي الى نوع من الشعور بالشك

يتميز الزن عن المدارس الروحية الأخرى بوضع التأمل في قلب ممارسته، بدعم من التركيز الذي يحفز على كسب الطاقة، وبالتنبه والصبر اللذين يشحذان الهمة، يساعد التأمل على اطلاق المشاعر والإفراج عن الأفكار والعواطف والتخلي عن الأنا وبشكل مفارق الكف عن السعي لبلوغ عدف ما للوصول إلى مرحلة من الوعي دون أداة ولا موضوع.

التأمل يحرر من كل التصاميم الذهنية ويقضي على الغضب وحدة الطبع والكراهية والانتقام، ولا يتعلق الأمر بمجرد الجلوس للنزوع إلى السكون وتأمل الفراغ وإنما ببحث الذات عن طبيعتها الحقيقية مع الإبقاء على الوعي دون تفكير، في هذا الإطار يكتشف الممارسون المبتدئون سيلاً من الأفكار الجنونية التي تنمو بسرعة، والتي يفصح عنها التأمل تدريجياً قبل أن يخفف من وطأتها.

لم يحدث يوماً أن أحدأ قتل من أجل البوذية، لكن البعض استطاع ذلك بفضلها، إن بوذية البوشي لا تفيده إلا في التحكم في نفسه وبالتالي التفوق في فنون القتال والفنون الأخرى.

إن العمل على افراغ الذهن وعدم الانزعاج بأي فكرة والتجرد من العدو ومن النفس والعيش في العالم في استعداد دائم للخروج منه، كلها مواقف تعرب عن تطبيق عملي لحرية الكائن بعيدة المنال، لذلك، فلا غرابة أن تتخذ زهرة الكرز شعاراً للساموراي وذلك لما ترمز إليه من سرعة زوال الحياة، فهي هشة لدرجة إنها تتلاشى قبل أن تذبل وتضمحل في أوج شبابها ومجدها.

يكشف الزن على أن العدو الأكثر شراسة يكمن في الذات وفي أوهام الأنا، يجب مقاومة هذا الخصم بالصبر واللاعنف، فالعدو الخارجي ليس الا انعكاسا للعدو الداخلي، ها هو القول المأثور يتوجه بقساوة لمحبي الحرب: إذا هزم رجل في معركة ألف رجل وإذا استطاع رجل آخر أن يهزم نفسه، فسيكون الفائز الأكبر هو الثاني.

يمكن للضحك أن يبدد غيوم الأوهام عبر التفاتة ساخرة تذكر بأن المظاهر غالباً ما تكون خادعة، لذلك تعتبر النكتة وسيلة تربوية.

تخفف فاعلية الهزل، بتعريتها للحالة البشرية، ثقل الحياة الذي لا يطاق، فالقهقهة تشفي!

—————

مصطلحات ذكرت في الكتاب:

بوذيساتفا: كائن من الصحوة يعمل من أجل الآخرين

بو شيدو: طريق المقاتل

شادو: طريق الشاي

دهارما: مذهب بوذا

دوجو: القاعة التي يمارس فيها الزازن

هايكو: قصيدة من ثلاث أبيات، تتكون من سبعة عشر مقطعاً صوتياً

هينايانا: تيار بوذي تقليدي

إيكيبانا: ترتيب الزهور

كودو: طريق الزهور

كارما: السببية

كين-هين: سير تأملي بين حصتين من الزازن

كوان: لغز

كيوساكو: عصا خشبية في يد الشيخ

كيودو: طريق القوس

نيرفانا: فناء الاهواء و أسبابها

رنزاي: مدرسة للزن

روشي: شيخ موقر

سمسارا: دورة أنواع الوجود

سانغا: جماعة بوذية

ساتوري: الصحوة

سيشين: مرحلة التأمل المكثف

سوترا: كلمات منسوبة إلى بوذا

زازن: التربع للتأمل بظهر مستقيم

زنغا: رسم الزن

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق