ثقافةمقالات رأي

تقديم كتاب “أضواء على الحركة اليوسفيّة”/ بقلم د. فتحي ليسير.

ميديا بلوس-تونس-بصدور هذا الكتاب الموسوم «أضواء على الحركة اليوسفيّة بجهة تطاوين» تكون استغرافيا الجنوب الشّرقي بعامّة وجهة تطاوين بخاصّة قد تعزّزت بسرديّة تاريخيّة جريئة بقدر ما هي طريفة. سرديّة مهمّة جاءت غزيرة المادّة جمّة الفائدة.
ويقترن اسم الأستاذ الضّاوي موسى صاحب هذا العمل في تطاوين والجنوب الشّرقيّ عموما بأكثر من صفة. فهو فضلا عن كونه مربّيا فاضلا، كاتب وباحث مدقّق ومترجم، وجامع للتّراث المحلّيّ محقّق له، أنه «رجال في رجل» وأن في كنانته لأكثر من سهم كما يقال.
ولكاتب هذه السّطور أمنية هاهنا: حبّذا لو يقتدي رجال التّعليم ممّن أدركوا مرحلة التّقاعد بزميلهم الضّاوي موسى فيضفون على ما يسمىّ «العمر الثّالث» معنى مثلما يفعل هو منذ بلوغه سنّ التّقاعد ففي ذلك فائدة لهم وللمجموعة ما يجعلهم ينالون رفعة (إضافية) في أواخر حيواتهم وذكرا جميلا (إضافيا أيضا) بعد مماتهم.
وبالمناسبة فإننا انتهينا مذ تعرّفنا إلى الرّجل الى أنه مسكون بهاجس الفكر والثّقافة وبرغبة هائشة في الأخذ من كلّ شيء بطرف (بالمعنى الإيجابي لهذه المقولة طبعا) وهذا ما ساعده على الكتابة في كل هذه الحقول بل وتقديم إضافات محترمة أحيانا كما سنعرض للبعض من ذلك في حينه.
والحق أن الضّاوي موسى يمثّل، في تقديرنا، امتدادا لذلك الجيل الموسوعي الرّائد الّذي انكبّ في ما يشبه الرّهبة، على جمع التّراث المحلّيّ وحمايته من التّلف والضّياع، ثم عكف على مخض ذخائره، مقدّما خدمات جليلة للثّقافة التّونسية شأن حسن الذّكر المرحوم العلاّمة محمّد المرزوقي.
ونرى من المفيد، قبل التّطرّق إلى مضمون هذا الكتاب تقديم بعض الملاحظات التّأطيريّة ربطا لما سبق بما سيأتي:
أوّلا: التّاريخ هو العلم الوحيد من بين العلوم الاجتماعيّة الّذي لا يملك صاحب التّخصّص احتكار كتابته. ذلك أن الماضي يخصّ الجميع ويعنيهم ومن ثمّ فإن كلّ الجهود الرّامية إلى تملّكه مشروعة سواء تلك الصّادرة عن مبدعين من روائيين وسينمائيين ونحوهم أو عن المؤرّخين الهواة والصّحافيين الاستقصائيين والبيوغرافيّين إلخ…
إن حضور الماضي في الفضاء العمومي ليس بالأمر الجديد ولكن اللّحظة الانعطافيّة الّتي تمرّ بها البلاد منذ 14 جانفي 2011 قد جعلت هذا الحضور أكثر قوّة وإثارة، لأسباب لا نراها خافية على القارئ.
ثانيا: إن الطّلب الاجتماعي الملحّ على التّاريخ المحلّيّ منذ أزيد من ثلاثين سنة قد وضع المؤرّخ الأكاديميّ أمام تحدّ جديد يتوجّب عليه رفعه، ومن ثمّ بات لزاما عليه التّعاون مع «المؤرخ الهاوي» من أجل الحفر في مثل ذلك التّاريخ. أي أنه أصبح مرغما على الدّخول في شراكة مع المثقّفين المحليّين Les érudits locaux، لما يتوفّر لهؤلاء الأخيرين من معرفة راسخة بمكوّنات المجالات الّتي يعيشون في كنفها، ومكنوناتها، فضلا عن معرفتهم بمصادر تاريخها المكتوبة والمصوّرة والشّفاهية. وفوق كلّ هذا معرفتهم بالموروث الشّعبي وما يكتنزه المتخيّل المحليّ من مواد.
ومما يؤسف له أن عيون المؤرّخين الجامعيّين كليلة عن رؤية إنتاج غير المتخصّصين في ميادين بحوثهم وهنا وجب القول أن على المؤرّخ الاحترافيّ التحلّي بشيء من التّواضع خلال تعاطيه مع زميله الهاوي، وثمّ عدم الاستخفاف بتمشياته واستنتاجاته. وتَدُلُّ دلائل كثيرة على أنّ أعمالا حبّرها باحثون محلّيّون مغمورون قد فتحت عيون المؤرّخين واسعة على أشياء لم تخطر لهم على بال، وأن بعض البحوث المونوغرافيّة المحليّة كانت وراء تصحيح بعض المعلومات الخاطئة أو تعديل بعض المسلَّمات أو الكشف عن بيانات ومعطيات جديدة…
***
لقد خلدنا إلى الرّأي بعد قراءة الكتاب أن المؤلّف بتناوله لليوسفيّة بجهة تطاوين خلال الحقبة 1955 – 1956 ضمن دراسة حصريّة قد قرّر وضع «رجليه في الطّبق» كما تقول العبارة الفرنسيّة المعروفة.
ولهذا الاختيار، فيما نرى، ما يبرّره باعتبار أن الجنُوب الشّرقيّ شكّل سنة 1956 مسرحا للفصل الدّراماتيكيّ الأخير لذلك الصّراع الّذي لم يترك أحدا على الحياد آنذاك.
أضف إلى ذلك أن أهالي الجنُوب الشّرقيّ يعتبرون أنهم دفعوا أكلافا باهظة جدّا جرّاء ذلك الصّراع الدّامي بين الأشقّاء الأعداء.
وإننا لا نجانب الصّواب عندما نقول إنّ المؤلّف كان واعيا بتعقّد موضوع بحثه وبجملة المحاذير التّي هي من صميمه لأنّه أي الموضوع متّصل بالحاضر الّذي يعيش فيه ناهيك أن بعضا ممّن قاموا بأدواره أو سطّروا بعضا من وقائعه مازالوا على قيد الحياة بيننا، ولم يتحوّل هؤلاء الفاعلون ولا الأحداث الّتي يذكرها الكاتب في كتابه إلى جزء من الماضي. أكثر من ذلك: لقد ظل ذلك الماضي بآلامه (على الأقل بالنّسبة لقسم من الأهالي) فائرا مؤرّقا للضّمائر. إنّه من طراز ذلك الماضي الّذي يأبى أن يمرّ «un passé qui ne passe pas» وفقا لعبارة كل من إريك كونان Eric Conan، و هنري روسو Henry Rousso.
ولكن علينا أن نشير أيضا إلى أن البعض من أهل الجنوب الشّرقيّ ممّن طالهم الأذى جرّاء ذلك الصّراع باتوا ينادون بضرورة «تجاوز آلام تلك الحقبة الّتي تلظّت فيها البغضاء واشتدّت فيها الفرقة حتّى بين أفراد العائلة الواحدة» وكانت حجّتهم الرّئيسيّة في ذلك، بل لازمتهم، أنّ ما جرى أصبح في «ذمّة التّاريخ» وأنه قد آن الأوان لطيّ صفحة الماضي.
وبقدر ما كان المؤلّف واعيا بحساسيّة الموضوع وإكراهاته ومحاذيره فإنه كان أيضا على دراية بالكتابات الّتي تناولت بن يوسف واليوسفيّة سيما منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي. فقد حاول النظام بعد نوفمبر 1987 ردّ الاعتبار لصالح بن يوسف (في إطار إستراتيجية هدفها إسدال ستائر كثيفة على شخص بورقيبة) ما أتاح ظهور كتابات موضوعها اليوسفيّون. هكذا صدرت مذكّرات وكتابات و«تواريخ» وأدلى مناضلون ومقاومون و«شهود على العصر» (صمتوا أو أرغموا على الصّمت ثلاثين سنة)، وساسة ومثقّفون بآرائهم واحتدمت الشّهادة بالشّهادة، واصطدمت الحجّة بالحجّة. وعاد الحديث عن «الشّرعية» و«الوطنيّة» و«المصالحة مع الذّات» ومع الماضي القريب وإعادة الاعتبار لبعض الرّموز. وارتفعت بعض الأصوات منادية «بتنقية تاريخ الحركة الوطنيّة و تخليصه ممّا شابه من هنات».
لا ريب أن بعضا ممّا جاء في المدوّنة الّتي كنّا بصددها قد طرح تحّديا على المؤلف وبات مطلوبا منه إجتراح عنصري الإضافة والطّرافة كي لا يصبح كتابه محض اجترار لما كتب وتكرارا لأفكار ممجوجة وسجالات مستهلكة ومقارعات كلاميّة. وهذا ما حاول الضّاوي موسى مباشرته من خلال دراسته الحصريّة هذه. وإننا لا نملّ تكرار ما للمنوغرافيّات من أفضال ومزايا – رغم إشارتنا إلى ذلك في مطلع هذا التّقديم – لما لها من أهمية في تنسيب بعض الأحكام و تدقيق بعض التّخريجات وتصويب بعض الأخطاء ولفت الأنظار إلى أشياء مهمّة غفل عن ذكرها الباحثون أو أنّهم تغافلوا عنها عامدين متعمّدين.
***
ليس من شأن هذا التّقديم أن يبحث في تفصيلات هذه الدّراسة أو أن يرصد هنّاتها أو أن يعرّج على ما جاء فيها من بيانات و أفكار بحثت في جوانب منها مظانّ أخرى كما أسلفنا القول. بل أن جلّ غايتنا هنا التّنبيه – على هيئة إشارات برقيّة وإلماعات خاطفة – إلى ما ميّزها عن الأعمال الأخرى الّتي اشتغلت على نفس هذه التّيمة.
أقام الكاتب كتابه على تسعة فصول. دار الفصل الأول – مباشرة بعد تقديم العمل – على المدوّنة المصدريّة الّتي اشتغل عليها الباحث من مصادر شفويّة بكر ومأثور محلّي، ومصادر أرشيفيّة فرنسيّة (من مذكّرات الأرشيف الدّبلوماسي بمدينة نانت Nantes)، فضلا عن كتابات شتّى أخرى… واهتمّ الكاتب في الفصل الثّاني بالحركة اليوسفيّة بجهة تطاوين مركزا على الفترة 1955- 1956، واضعا النّبرة على أهمّ معارك «الثّورة اليوسفيّة» كما سمّاها. و عقد الفصل الثّالث للحديث عن قيادة الحركة اليوسفيّة. وكرّس الفصل الرّابع للبحث في الجناح العسكري للثّورة. وأفرد الباب الموالي لما سمّاه «روافد المقاومة الشّعبيّة» بالجهة. وكان مدار الكلام في الفصل السّادس «الاصطفاف اليوسفي البورقيبي بتطاوين» وفق عبارة المؤلف. وفي الباب التّالي ركّز الكاتب المجهر على معركة آقري الشّهيرة (29 ماي 1956)، تلك المعركة «القاصمة للظّهر» كما قال وسجّل. وخصّص الفصل الثّامن لأهمّ رموز الحركة اليوسفيّة بالجهة. أما الفصل التّاسع والأخير فقد حمل عنوان: متفرّقات، وفيه تناول المؤلّف بالخصوص ما رآه جديرا بالتّقويمات والتّصويبات بخصوص الكتابات والمروّيات حول اليوسفية.
شغلت الفصول التّسعة المار ذكرها النّصف الأوّل للكتاب. أمّا النّصف الثّاني فتضمّن ذخيرة من الملاحق أضفت على هذه الدّراسة قيمة توثيقيّة عالية. وما يحسب للمؤلّف.
جاءت هذه الملاحق مترعة بالشّهادات الشّفوية المفرغة و بنسخ من مخطوطات شخصيّة ووثائق أرشيفيّة بكر، وقصائد شعريّة وقصاصات جرائد وترجمات لمقاومين ومناضلين من ذوي الفضل المجهول والحقّ المغموط، وغير ذلك كثير… ومن بين الأشياء الّتي استطرفناها تلك الوثائق المتعلّقة بالعمل النّقابي وظهور النّقابات بجهة تطاوين ما بين 1947 و1955. فضلا عن بعض القصائد الرّائعة من الشّعر الشّعبيّ.
ليس في نيّتنا هنا الحكم على آراء المؤلف وتقويماته لما جرى، والّتي جاءت مبثوثة في متون بحثه لإيماننا بأن القناعات الشّخصية الرّاسخة لا تناقش. ولكنّنا نريد أن نتأنى عند أمرين اثنين. أول هذين الأمرين يهمّ عددا من المراجع الّتي اعتمدها المؤلف والّتي كانت متحيّزة لصالح بن يوسف ولليوسفيّة عموما، متحاملة على بورقيبة على نحو فاضح. كتب نزع فيها الخطاب منزع التّخوين والتّعسّف على الوقائع الّذي تضيع بموجبه جلوة الحقيقة فتكون الإساءة في هذه الحال مزدوجة: إساءة إلى الرّجل الذي خلع عليه صالح بن يوسف نفسه لقب «المجاهد الأكبر» وإساءة إلى التّاريخ والذّاكرة.
أما ثاني ذينك الأمرين فيتصل بحرص الكاتب في غالب الأحيان على تقديم الحوادث والوقائع على طريقة السّرد المتتابع و كأن لسان حاله كان يردّد «هكذا حدث ما حدث دون تدخل منّي» وهذا من الأشياء التي تحمد له.
وعلى العموم علينا أن نعترف، كي لا يتوه القصد وراء السّرد، بأن الكتابة عن اليوسفيّة مازالت مثارا للإنفعالات وأنّ تناول هذا الفصل الدّراماتيكيّ من تاريخنا المعاصر «الحارق» يجعل الباحثين في المسألة، شأن الضّاوي موسى، أمام تصوّرات تنحو منحى «الأسطرة» وتمثّلات تسير باتجاه «التّمجيد» ما يحتّم عليهم تنويع زوايا النّظر وتعديل حيّز الرّؤية والاستئناس بالقراءات «المحايدة» قدر الإمكان، ذلك أن تحرّي الحقيقة أمانة ثقيلة جدّا لا يجوز التّرخّص فيها أبدا مهما تكن الظّروف والمبرّرات.
وبالرّغم من الأضواء الكاشفة التي سلّطت على هذه القضية، ومنها أضواء الضّاوي موسى في عمله الجديد هذا، فمازالت هناك جوانب مخفيّة غير معروفة أو هي مثار جدل، أو هي غير مفسّرة بالقدر الكافي وما على الباحثين الجادّين إلاّ العمل على فكّ شفراتها وجلاء معمّياتها.
وقبل الختام لا تفوتنا الإشارة إلى خلّة التواضع عند الكاتب، رغم ما توافر لديه من مادة مصدريّة يغبطه عليها الغابطون، فهو لم يدّعِ لحظة واحدة في دراسته أنّه وضّح كل ما كان غامضا أو أنه جاء بالقول الفصل. ولم يزعم قطّ أنّه نجح في تذليل الأبيّ الجامح ولا في تقريب البعيد الشّامس.
وجُمّاع القول أنّ هذا الكتاب فيصل في موضوعه وقد جاء في محلّه ووقته سيما وأن التّاريخ قد تحوّل بعد الثّورة إلى رهان كبير في تونس وأنّ هناك دعاوي إلى مراجعة السّرديّة الوطنيّة.
وإننا نعتبر عدم الإطّلاع على هذا الكتاب، مستقبلا، بالنّسبة للمشتغلين على الفترة 1955 – 1956 في تونس نقيصة وفجوة في المادّة التّوثيقية لا مبرّر لها.

د. فتحي ليسير
أستاذ التّاريخ المعاصر بالجامعة التّونسيّة

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق