ثقافةفوائد لغويّة

ما معنى “البتّة”؟ وكيف تعرب؟ وهمزتها أهي همزة قطع أم همزة وصل…؟

ميديا بلوس-تونس-وردني سؤال من أخت فاضلة تقول فيه: “ما معنى “البتّة”؟ وكيف تعرب؟ وهل همزتها همزة قطع أم همزة وصل، لأنّني رأيتها في بعض الكتب كتبت بهمزة القطع…!؟ وأجيبها بعد التوكّل على الله، وأقول: إنّ علماء العربية تناولوا في أبحاثهم هذه الكلمة بالدراسة والشرح، واستقصاء معانيها، ولم ينقل عن المتقدمين خاصة في القرون الأولى أيّ خلاف مأثور في همزتها، وكتبوها همزة وصل، ولكنهم اختلفوا في تنكيرها وتعريفها بالألف واللام. وظهر الخلاف في كتابة همزتها بين المتأخرين؛ أ تكتب همزة وصل أم همزة قطع؟ فرأى بعضُهم أنَّ المسموع فيها قطْع الهمزة، فيقال: “ألْبَتَّة”، وبعضهم الآخر آثر القياس فكتبها بالوصل “البَتَّة”. ولتوضيح هذه المسألة وللردّ عن هذا السؤال نذكر هذه التفاصيل:
أولًا: معناها: كان “البَتّ” يطلق على ضرب من الطّيالسة، وهو كساء مُربَّع غليظ من صوف أو وَبَر، واطلق بمعنى القطع من “بتّ”، ومنه قول القائل: “الخمر لن أشربه البتّة” أي قطعًا، نهائيَّا وهو قرار لا رجعة فيه، وهو الْقَطْع المستأصل، ومضارع “بَتَّ” “يَبُتُّ” بضم الباء، أو كسره “يَبِتُّ” أي قَطَعَ قَطْعًا مُسْتَأْصِلًا ، وبَتّ الحَبلَ قطعه. وفي الحديث: طلَّقها ثلاثًا بَتَّةً أَي قاطعة لا عود فيها. وبهذا المعنى تستخدم في أساليب النفي، فيقال: “لا أَفعَلُه بَتَّةً”، ولا أَفعَلُه البَتَّةَ أي أَبُتُّ هذا الأمرَ قَطعَةً واحدَةً لا رجعة فيه ولا تردد. فجملة “لا أَفعَلُه ” تحتمل أمرين: استمرار النفي، وانقطاعه، ولكنَّك لما ذكرتَ المفعولَ المطلقَ “البَتَّةَ” صار النَّفيُ الذي قبلها مُحَقَّقَ الاستمرار. ولا يُستعملُ إلَّا معرفةً عند سيبويه وأصحابِه، وأجازَ الفَرَّاء الكُوفيّ وحدَه تنكيرَه فأجَاز” لا أفْعَلُه بَتَّةً”. فللمتكلم حرِّيَّة الاستعمال في تعَريفها أو تنكيرها. وأدخلَت العرب التاءَ على المصدر “البتّة”؛ للدلالة على المبالغة في المعنى؛ كما قال أبو البقاء الكفوي، وعند الصبّان للدلالة على الوحدة.
ثانيًا: إعرابها: هي مصدر مُؤكِّدٌ لمضمون الجملة قبلها، منصوب على المفعولية المطلَقة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وناصبه: فعل محذوف وجوبًا تقديره” بـتّ”؛ وسبب حذف الفعل لأنّ المصدرُ ناب منابَه في الدَّلالةِ على لفظه ومعناه، فبَتَتُّه البَتَّةَ، وبَتَتُّه بَتَّةً .
ثالثًا: همزتها أهي همزة قطع أم همزة وصل…!؟: اختلف العلماء المتأخرون في همزتها، وهم على ثلاثة مذاهب:
أ ــ همزة وصل: وتكتب بالوصل، وهو منسوب للخليل، وسيبويه الذي قال في باب ما يَنتصب من المصادر توكيدًا لما قبله: “وقالوا: قَعَدَ البَتَّةَ مصدر مُؤَكِّد ولا يُستعمل إِلا بالأَلف واللام” وهذا يعني أنّها همزة وصل، كما كتبها، ولا يستعملها إلَّا بالألف واللام. وابن السِّكيت، والجوهري ضبطها في الصحاح بالوصل، فقال: الِانْبِتَات: الِانْقِطَاع. وفي القاموس المحيط أثبتها بالوصل. وقال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري في شرح حديث: “طلقني زوجي البتّة”: زعم بعض العجم أن “البتة” لم تسمع إلا بقطع الهمزة، والذي ثبت في الحديث بأنّ أَلِفُهَا أَلْفُ وَصْلٍ على ما جرت عليه ألف التعريف وهو ينفي ورودها في السماع وأنّه لم ير أحدًا من أهل اللغة صرّح بذلك. وقيل:الوصل موافقٌ للقياس وعلّل بعض العلماء دَعْوَى من قال: إنّها همزة قَطْعِ هو خطأ في تفسير عبارة بعض اللغويين الذين قالوا: “الْبَتَّة الْقَطْع” فأخطأ في فهم “القطع” والوارد في العبارة، وظنّه قطع الهمزة ، بينما مرادهم تفسير البتّة بِمُرَادِفِهَا القطع لَا أَنْ تكتب بِالْقَطْعِ.
ب ــ همزة قطع: ومن اللغويين من قال إنّها همزة قطع، على أساس أنها جزء من الكلمة فقال الدَّمامينيّ في شرْحِ التَّسهيل: زَعَم في اللُّباب لتاج الدين الإسفراييني أنّه سُمع في “البَتَّةِ” قطعُ الهمزة. وقال شارحه في العُباب لجمال الدين عبد الله الحسيني المعروف بالنقره كار(ت776 هـ) ــ الذي قمت بدراسته وتحقيقه في مرحلة دراسة الماجستير في جامعة دمشق ــ: إنّه المسموع، وصرح به المحققون بأنه المشهور
كونها همزة قطع، وهو ممّا خالف القياس . وقد ذكر بعض أهل المعجمات، أنّ الحجّة في قطعها السماع، وإنْ كان ذلك خلاف القياس. وقال الزبيدي في التاج: ولا أفعله ألبتة، بقطع الهمزة. وذكر في حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك: و”أل” في البتة لازمة الذكر، وقيل: يجوز حذفها، ولم يسمع فيها إلا قطع الهمزة والقياس وصلها. وبه صرّح الْكَرْمَانِيُّ في شرح البخاري قائلا: “والمشهور على الألسنة أنّ همزتها همزة قطع”، ونقل عن النُّحَاة قولهم: إنّ قَطْع هَمْزَة “الْبَتَّة بِمَعْزِلٍ عَنْ الْقِيَاس”. وقال الأزهريُّ في التصريحِ: “لم يُسْمع في”ألبتة” إلا قطع الهمزة، والقياسُ وصلها”. وتسويغ القطع عندهم هو السكوت أو نيّة الوقف على ما قبلها ثم الاستئناف بها فتقطع همزتها، كقول القائل: “لا أفعل ذلك ألبتة”، فكأنه سكت أو نوى الوقف على نهاية “لا أفعل ذلك”، ثم استأنف النطق بكلمة “ألبتّة” بالقطع. وصرح أبو البقاء في كلّيّاته: المسموع قطع همزته على غير القياس. وذكر الشيخ محمد بن عابدين الحنفي في رسالة له في ألفاظ شاع استعمالها بين العلماء، وفي رسالته الأخرى”الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة”: “أنّ همزتها همزة قطع”.
ج ــ جواز الوجهينِ: فتكتب بهمزة الوصل أو القطع، ونسب هذا الرأي للزبيدي، والآلوسي الكبير مؤلف “روح المعاني في تفسير القرآن” وغيرهما، ولم يرجّحوا قولًا من الوجهين، فكلاهما عندهم صحيح؛ لأنّ الأصل فيها القطعُ سماعًا، والوصل قياسًا.
ووجهة نظري في هذه المسالة أنّني أميل إلى أنّها همزة وصل، لأنّها من المصادر التي تكون أصل همزاتها الوصل، وهي الأخفّ في الاستعمال، وموافقة للقياس من جهة، ومن جهة أخرى سكوت أهل أصول اللغة في البحث فيها مع أنّهم لا يسكتون على ما خالف القياس، بل ينبّهون عليه، إنْ سكتوا فيسكتون عن الذي جرى على القياس والأصل. والله أعلم.

د. حمدي المارد

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق