ثقافةكاتب وكتابمقالات رأي

هجرة الأندلسيين إلى القدس وباب المغاربة بها…/ عماد خالد رحمة.

ميديا بلوس-تونس-ابن الأزرق زهرة في بستان المعرفة العربية ،وأحد من علماء الاجتماع والسياسة العرب:

لم يعرف الشيء الكثير عن ابن الأزرق (أبو عبد الله محمد بن الأزرق الأندلسي) المتوفى عام 896 هـ ـ 1419م، إلا منذ سنوات غير بعيدة عندما كشف الستار عن واحد من عمالقة الفكر العربي الإسلامي في مجال علم الاجتماع والسياسة. حيث قام كل من الدكتور محمد عبد الكريم، والدكتور علي سامي نشار كل بمفرده بتحقيق مخطوط بدائع السلك في طبائع الملك، الذي ألفه ابن الأزرق. وقد تولت الدار العربية للكتاب في كل من طرابلس الغرب وتونس نشر المخطوط الذي حققه الدكتور محمد عبد الكريم. كما نشرت وزارة المعارف العراقية المخطوط نفسه الذي حققه الدكتور علي سامي نشار. ومن المفارقات الجميلة أن صدرت الطبعتين في العام نفسه: 1977، دون تنسيق مسبق بينهما. هكذا وفجأة وجدنا أنفسنا أمام كتاب مهمٍ جداً عمل على تصويب الكثير من الدراسات والمعلومات السابقة حول عالم الاجتماع العربي الإسلامي الكبير ابن خلدون، الذي أتحفنا وأدهشنا في مقدمته الرائعة. فقد أثبت ابن الأزرق أن ابن خلدون لم يكن الزهرة الغريبة الفذة الوحيدة في بستان المعرفة العربية، بل إنه كان عبقرية مسبوقة ومتبوعة بعبقريات عربية وإسلامية في علمي الاجتماعي والسياسة. فابن الأزرق الذي توفي بعد ابن خلدون بثمانين سنة، كشف في كتابه (بدائع السلك في طبائع الملك) جميع المصادر التي استقى منها أستاذه ابن خلدون، الذي كان قد تكتم عن تلك المصادر، حتى علق في الأذهان انفراده في هذا الباب من أبواب المعرفة، ويقول الدكتور علي سامي نشار في مقدمة الطبعة العراقية بالخصوص: (لقد كان ابن خلدون كتوماً إلى أكبر حد؛ يستخدم نظريات غيره، ويستند على مآخذ متعددة لا يذكر صاحبها ويدل بنفسه على أنه أول من توصل إليها، بينما نرى ابن الأزرق وهو، أولاً وقبل كل شيء، فقيه أخلاقي، وراوية حديث مثبت، وقاضٍ من قضاة المسلمين يذكر مصادره بأمانة وصدق، ولا يكتم مآخذه ومنابعه، أو بمعنى أدق يعطي لكل ذي حق حقه، ويعبّر عن آرائه هو بالصيغة المشهورة (قلت) بل ما أكثر ما ذكر حتى في (قلت) هذه (مصادر هو نفسه). ولا يعني ما قاله الدكتور نشار التقليل من أهمية مقدمة ابن خلدون أو نفي عبقريته الفذة. بل يظل هذا العلامة علماً من أعلام الفكر في تاريخنا حتى ابن الأزرق نفسه جعل مقدمة ابن خلدون القاعدة التي أقام عليها كتابه الذي ضمنه جميع المقدمة إما بالنص الحرفي أو بتلخيص ما ورد فيها من آراء. ثم انطلق بعد ذلك للتصحيح أو إضافة آراء ومعلومات جديدة لم يصل إليها أو ربما أغفلها ابن خلدون.‏
من هو ابن الأزرق‏؟
ابن الأزرق هو أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن علماً بن علي بن القاسم بن مسعود بن الأزرق الحميري الأصبحي الأندلسي الغرناطي الأصل، المالقي الولادة والإقامة. ويقول الدكتور علي سامي نشار بأن أسرته لم تكن معروفة كثيراً، وأن كنيته بالأزرق إنما هي صفة جسدية لازمت أسرته، فحفظ القرآن، وبعض المصنفات العلمية والأدبية حسب طريقة التعليم التي كانت سائدة في الأندلس. واستطاع بذكائه ونبوغه أن يؤكد ذاته بين جموع طالبي العلم ويتصدر مجالس العلماء، ويصبح شيخاً وأستاذاً للعديد من طلبة العلم في مالقة. وقد قام برحلة ابتغاء للعلم إلى كل من فاس وتلمسان وتونس، ثم عاد إلى مالقة حيث تولى القضاء في ضواحي المدينة أيام سعد بن نصر بن الأحمر، صاحب غرناطة وتوابعها. ثم تولى القضاء في مالقة نفسها. ويقول الدكتور عبد الهادي التازي إن ابن الأزرق لم يكن فقط رجل وظيف شرعي، ولكنه كان رجل دولة وكاتب ملك ورسول سلطان. كما أن احتكاكه برجال دولة بني الأحمر آخر الدول العربية في الأندلس. فقد تفتحت عيناه على علم السياسة والاجتماع خصوصاً وقد تولى سفارة إلى كل من دول المغرب ومصر والحجاز، حث حكامها على نصرة العرب والمسلمين في الأندلس‏
بعد أن اشتد ضغط نصارى الأسبان على آخر معقل عربي في الأندلس ولكن كما يبدو، لم يستجب لاستغاثة الأندلسيين أحد من الحكام العرب. لأنهم كانوا منهمكين في نزاعاتهم وصراعاتهم الداخلية. وحين عاد من مكة إلى مصر، كانت الأنباء التي وصلت إليها تؤكد أن المقاومة العربية في غرناطة تلفظ أنفاسها الأخيرة أمام ضربات الأسبان، وأن أفواج عرب الأندلس المهاجرة ملأت مدن المغرب. وهنا قرر ابن الأزرق البقاء في الشرق، و ولاه حاكم مصر قضاء القدس، ولكن العمر لم يطل به في مدينة القدس سوى شهرين وبعض الشهر. حيث توفي في السابع من ذي الحجة سنة 896 هـ 1491 م عن عمر يناهز الخامسة والستين عاماً، ويظهر أنه مات غماً وحزناً على بلاده التي أسدل الستار فيها نهائياً على الحكم العربي بعد وفاته بعدة أشهر فقط. ولابن الأزرق مؤلفات عدة مهمة في الفقه والأدب والتاريخ والاجتماع والسياسة، ومن مؤلفاته: شقاء القليل في شرح مختصر الخليل، وروضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ثم بدائع السلك في طبائع الملك. كما ترك ابن الأزرق مجموعة من القصائد الشعرية، وإن كانت لم تجمع في ديوان. ويصف الدكتور ابن عبد الكريم موهبته الأدبية فيقول: إن له موهبة شعرية. وخيالاً جوالاً ورصيداً لغوياً، ومقدرة على الغوص على المعاني الجديدة المتقمصة في ألفاظ لها طابع أدبي محض ولا يطلب من الأديب والشاعر المغلق أكثر من ذلك.‏
بدائع السلك وطبائع الملك‏
ـ يتضمن كتاب بدائع السلك في طبائع الملك جملة من الموضوعات التي تتعلق بالدولة وبالأخلاق وبالاجتماع العمراني والحضاري، فحول الدولة يبحث الكتاب في مقدمته قواعد قيام الدولة من الناحية العقلية والشعرية ثم يقسّم ابن الأزرق كتابه إلى أربعة كتب أو أقسام يبحث في الأول حقيقة الدولة وأنواع الرئاسات. وفي الثاني يبحث في قواعد وأركان الدولة، ويخصص المؤلف الكتاب الثالث للحديث عن الحكام وفيما يطالبون به من تشييد الملك وتأسيس قواعده وعن أخلاقهم. وفي الكتاب الرابع يبحث المؤلف في عوائق تقدم الدولة وأسباب قوتها وزوالها. وقد قسم ابن الأزرق كل كتاب إلى أبواب وفصول عديدة أوضح فيها مجموعة من النظريات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية في المجتمعات الإنسانية. ويورد الأستاذ عبد الكريم في مقدمة طبعة الدار العربية للكتاب ثلاثة دوافع لتفرغ ابن الأزرق لتأليف كتابه:‏
أولاً: عدم وجود كتاب جامع لمواضيع في سياسة الدولة وفي علم الأخلاق والاجتماع.‏
ثانياً: العزم على اختصار بعض المطولات وتجريدها من الاستطرادات.‏
ثالثاً: تدهور الحالة السياسية والأخلاقية والاجتماعية في الأندلس ولا سيما في عصر ابن الأزرق الذي أراد أن يضيء الطريق أمام مجتمعه، لعل أفراده يعملون بمحتواه ويتمثلون ما اشتمل عليه من إرشادات علمية، ومواعظ دينية وحكم فلسفية، فبذلك يستيقظون من سباتهم العميق ويتلافون ما فاتهم. ويرى الأستاذ عبد الكريم أن فوائد الكتاب تتجلى في المصادر النفسية التي لخصها ابن الأزرق أو نقل عنها ما هو في حاجة إلى نقله حرفياً، وقد نظمت مواضيعه تنظيماً دراسياً كأنه كتب في حلقات التدريس وللأساتذة والتلاميذ ومن فوائده أنه يحتوي على تلخيص مقدمة ابن خلدون وعلى أشياء كثيرة لم يأت بها ابن خلدون ولا سيما فيما يتعلق بالأخلاق والأحكام الشرعية، وقد استطاع المؤلف أن ينسق بين نصوص العلماء وبين أفكارهم مع أفكاره، أي كان محللاً ثم مركباً… وهذا الكتاب الذي كنا نجهله، استطاع في زمن ابن الأزرق وبعده أن يحتل مكانة مرموقة بين الكتب العلمية القيمة، وانبرى عدد من العلماء والمفكرين العرب في ذلك الوقت بالإشادة به وبقيمته العلمية، ويقول أحمد المقري في نفح الطيب: (ولابن الأزرق تآليف منها بدائع السلك في طبائع الملك وهو كتاب حسن مفيد في موضوعه لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخية وغيره مع زوائد كثيرة) كما يشيد المقري أيضاً في كتابه أزهار الرياض بكتاب ابن الأزرق قائلاً: (وكتاب بدائع السلك في طبائع الملك، كتاب بديع في موضوعه، لخص فيه مقدمة تاريخ ابن خلدون المسماة بكتاب العبر وزاد عليه زيادة كبيرة نافعة، وهو سفر ضخم. وقد نقل عنه حباب المعيار، كما تحدث عن محمد بن عسكر في مؤلفه دوحة الناشر. وسليمان الحوات في كتابه السر الظاهر، ومحمد السخاوي في كتابه الضوء اللامع، وعبد الرحمن الحنبلي في كتابه الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل وغيرهم).‏
يعتبر ابن الأزرق من رجال المدرسة الأشعرية كابن خلدون، وهي المدرسة التي أرسى أصولها الأولى في علم الكلام أبو الحسن الأشعري، والتي انتهجت طريق الفلسفة والاستنتاج والاستقراء والنقد والتجريح ثم التحليل والتركيب عند معالجتها للقضايا الفكرية؛ لذلك فإن كتاب بدائع السلك في طبائع الملك يعتبر كتاباً منهجياً علمياً، وإن كان لا يخلو من بعض السقطات والأخطاء العلمية، وكذلك المغالطات والمخالطات التاريخية التي كانت شائعة في زمن ابن الأزرق، فقد اعتمد قاعدة الاستنتاج تارة حيث ينطلق من القاعدة العامة ليطبعها على الجزئيات، وتارة أخرى اتبع طريقة الاستقراء التي يبدأ من الجزئيات ليصل إلى القاعدة العامة، وقد أغنى آراءه والنتائج التي توصل إليها بالدليل الشرعي من قرآن وحديث، وكذلك الأحداث التاريخية والروايات والحكايات الشعبية، وفيما يلي أنموذج مما ورد في الكتاب حيث يتجلى فيه أسلوب ابن الأزرق والطريقة التي عالج بها مواضيع الكتاب فقد تناول ابن الأزرق مواضيع مهمة عالج فيها (الغضب) على سبيل المثال وليس الحصر. حيث قال: طرف التفريط بعقده أو ضعفه وهي نقص عن الكمال ولذلك قال الماوردي: من استغضب فلم يغضب فهو حمار. وقال ابن الأزرق في مقام آخر: طرف الإفراط ولغلبته له فعل قوي مشعر بسرعة الغضب واعتياد المخاصمة من يتمدح بالتشفي والانتقاء. هو أيضاً نقص مذموم.‏
كما تحدث ابن الأزرق عن الغضب من حيث دلالة التباعد بتركه عند غضب الله على القرب من ذلك الغضب بارتكابه، فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه سأل رسول الله (ص) ما يمنعني من غضب الله عز وجل؟ قال: “لا تغضب” لذا فإن حقيقة الغضب غليان دم القلب موجودة على من دونه، فيحمر ظاهره بانتشار دمه وعلى من فوقه، فيصفر وينقص دمه جرياً. وعلى مثله فيحمر ويصفر لتردده فيه. قال الغزالي: ومتى اشتدت ناره أعمت صاحبها وأصمّته فإذا وعظ لم يسمع وإن استضاء بنور عقله لم يقدر أن يطفئ به نار غضبه. كما أن لإفراط الغضب مثل هذه الآثار القبيحة فلتفريطه آثار تشارك تلك في القبح وسوء العافية. كاحتمال الذل، وخور القلب، والسكوت عند مشاهدة المنكر، والانقباض عند تناول الحق الواجب، والعجز عن رياضة النفس. قال الغزالي: إذ لا يتم إلا بتسليط الغضب على الشهوة، حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة… وهكذا يورد ابن الأزرق مسائله في كتابه بدائع السلك في طبائع الملك جملة كبيرة من الموضوعات التي تتعلق بالدولة وبالأخلاق وبالاجتماع العمراني الحضاري والتي لا مجال لذكرها لضيق المساحة…‏

اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. عنوان المقال المنشور لا أساس له من الصحة، لأن باب المغاربة، و حي المغاربة بالقدس لم يكن بسبب هخرة الأندلسيين الذين عاثوا عهرا، و فسادا بالأندلس مما مكن المسيحيين الإسبان منهم، و كنسهم من الأندلس، و لم يبقى صامدون بجنوب الأندلس للآن إلا بعض سكان مالقة، و هناك للآن دائرة بلدية بمالقة بإسبانيا تحمل إسم دائرة الفرجان Commune AL Ferjane، و يمكن لمن يشك في هذا أن يدخل على قوقل، و يكتب Commune AL Ferjane – Malaqua ، وسيجد الخريطة. لعلم هذا المتعالم القدس تم تحريرها من الصليبيين بواسطة قوات الدولة الفاطمية التي بعد أن أنشأت بالمهدية بتونس، و بعد أن إحتلت صقلية، قامت بإحتلال مصر، و بنت القاهرة، و تم فتح القدس بجيش بقيادة صلاح الدين الأيوبي أغلبه كانوا من المرابطين من الأشراف الأدارسة أحفاد سيدنا الإمام الحسن عليه السلام الذين عادوا لتونس و من ثمة للمشرق عائدين من المغرب، و خاصة الساقية الحمراء و وادي الذهب، و بلاد التكرور أي مالي و إفريقيا الغربية. و أغلبهم كانو من الفرجان. و لما فتحوا الأندلس دخلوها من بابا يسمى للآن باب المغاربة، و ليس الأندلسيين أيها المتعالمين المتعملقين، و إستقروا و أقام بعضهم بالقدس و سمي الحي الذي سكنوه بحارة أي حي المغاربة للآن. و لم يسمى لا بباب الأندلسيين، و لا بحي الأندلسيين. و لعلم هذا المتعالم فإن أغلب سكان الأندلس كانوا من الشوام، و اليمنيين. و من القدس إنتشروا بكامل بلاد الشام بفلسطين، و الزرقاء، و الرمثا بالأردن، و بدمشق، و تدمر، و حلب، و بالكبيسة شمال العراق، و بكامل الجزيرة العربية من وادي الدواسر جنوب مكة إلى رأس الخيمة بالإمارات، و الصبوح الفرجان همآل الصباح أمراء الكويت، و معهم آل هويدي هناك، و القواسم الفرجان من القواسم قرب المهدية بتونس للآن هم أمراء رأس الخيمة، و آل السديري الفرجان هم بوادي الدواسر جنوب مكة. إتقوا ربكم، و لا تتكلموا عن أشياء لا صحة لها. و الأندلسيين غادر بعضهم الأندلس و إنتشروا من فاس ، و تطوان إلى بيروت، و لكن بعد فتح القدس، و تحريرها من الصليبيين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!