ثقافةكاتب وكتاب

قراءة في قصّة إشراف بن مراد: “أنا في انتظارك”/ نبيل قدّيش.

ميديا بلوس-تونس-قد يبدو للوهلة الأولى ومن خلال العنوان وهو العتبة الأولى للنصّ أن الكاتبة إشراف بن مراد تخبّئُ لنا نصًّا قصصيًّا نسويًّا بنفس مذاق الأطباق التي تعوّدت على تقديمه لنا أحلام مستغانمي أو غيرها من الكاتبات العربيات الاّتي ربّما أخطأن الطريق من الشعر إلى السرد، حيث العنوان الأبرز دائما “البكاء على الرجل ومن الرجل”. تلك كانت المخاتلة الأولى التي ستعقبها مخاتلات أخرى سنشهد عليها تباعا، فسرعان ما سنكتشف أننا إزاء نصّ متماسك جدّا وحاسم مثل طلقة على حدّ تعبير “إدغار ألان بو” أب القصّة القصيرة الفرنسية الذي يعتبر أن القصّة القصيرة رصاصة يجب أن تصيب هدفها مباشرة، فما الهدف الذي وضعته الكاتبة نصب عينيها وأخفته عنّا إلى حين؟
هذا لا يعني بتاتا أنها تخلّت عن جمالية السرد والوصف واعتمدت على لغة نحيفة، متقشفة، عسكريّة بلغة الناشرين الذين يحبذونها كثيرا. نحن إزاء لغة باذخة أحيانا لكنها بعيدة عن الميوعة والاستعراض الفارغ، استطاعت من خلالها الكاتبة أن توازن بين ما يجب أن تكون عليها لغة الأنا الأنثى الساردة التي تغوص في عوالم العشق والأحاسيس المرهفة وبين ما أرادته الكاتبة من رمزيّة ركضت وراءها منذ البدء حتّى النهاية. لقد أرادت الكاتبة أن تقول لنا بصوت عالٍ وعلى لسان شخصيّة القصة المركزيّة:”لم أكن ألهث وراء حبيب بل كنت ألهث وراء نفسي وذاتي” فقدمت لنا كلّ ذلك على طبق دسم لكنّه أنيق.
قد تبدو فكرة القصّة فكرة كلاسيكيّة باتخاذها علاقة عاطفيّة بين البطلة “حياة” الشابّة خريجة الجامعة والتي ربطتها علاقة حبّ من طرف واحد بابن عمّها “عليّ” وعاء لمتنها القصصيّ، وقد تبدو كلاسيكيّة أيضا في بنائها باعتمادها على نسق تصاعديّ نحو الأزمة ومن ثمّة الانفراج وبتوفّرها على كلّ شروط القصّة الكلاسيكيّة من وحدة الزمان والمكان ومحدوديّة شخوصها ونهاية صادمة ومفتوحة. لكنّ ما يثير الاهتمام حقّا تلك اليد الساحرة الخفيّة التي حرّكتها إشراف بن مراد طوال الوقت دون أن ننتبه لها. لقد دسّت في كل مرّة زخّات من ذلك الغبار الأبيض الذي يوهمنا السحرة بامتلاكه دائما ولم يكن غير خفّة اليد والمرونة. هنا في النصّ كان سلاح الكاتبة التشويق إذ حافظت دائما على منسوبه عاليا،فجعلته على شاكلة خيط ناظم ومحرّك أساسيّ للعبة القصّ على طريقة جدّاتنا البعيدات حين يتركننا معلقّين إلى شفاههن حتّى النهاية.
ولسائل أن يسأل ما الذي يجعل القارئ يُشدُّ لحكاية فتاة عاشقة أحبت ابن عمّها وحلمت بالزواج به لسنين طويلة وانتظرته حتى يحقق أحلامه الشخصيّة مع توقّع دائم بأن الخذلان والانكسار سيكون مآلهها في النهاية؟ ما الذي يجعل من قصّة “أنا في انتظارك” تهدم أفق توقعاتك كقارئ حين ستجد أنّ البطلة انتظرت بالفعل ونالت الهزيمة باكتشافها أنّ حبيبها الموعود متزوّج من غيرها وأنجب منها طفلا وأنّها لم تعش سوى على الوهم؟ إنّها طريقة الكاتبة إشراف بم مراد في تناول قصّة كلاسيكيّة المضمون والشكل تناولا رهيفًا جدًّا ومغايرا لتجعلهما متجدّدين. وهي بذلك تؤكّد بما يدع للشكّ مكانا أنّ القصّة هي اهتمام بلحظة واحدة فريدة وفارقة في الحياة دون الالتفات إلى ما قبلها أو بعدها، الشيء الذي تجلّى بوضوح في الجملة الأخيرة للقصّة:”لقد أخذت القرار، استدارت الى البوابة و مضت بخطى ثابتة نحوها” ليس ناحية البوابة وإنما نحو ذاتها.

اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!