إسلاميّاتثقافة

جدلية الحقيقة والإيديولوجيا…

ميديا بلوس-تونس-“إذا جاءك المنافقون قالوا نَشهدُ إنك لرسولُ اللّه، واللّهُ يَعلمُ إنك لرسوله، واللّهُ يَشهد إنّ المنافقين لكاذبون” …
في هذه الآية الكريمة تقريرٌ أن محمدًا رسولُ الله، ما في ذلك شك.
ولكن لماذا حذّر اللهُ رسولَه من المنافقين حتى وهم يَشهدون إنه رسول الله، بل وقرّر الله تعالى أنهم كاذبون.
كيف يكونون كاذبين، وهم يُقِرّون بالرسالة للنبيّ.؟
نعم، إنهم كاذبون حتى وهم يشهدون “بالحقيقة”.

يحيلنا هذا الموضوع على مسألة العلاقة، أو التناقض بين الحقيقة والإيديولوجيا.
فليس هناك “حقيقة” عارية، متعالية، مطلقة، لا يرقى إليها الشك، في المباحث الإنسانية والتاريخية والاجتماعية والفلسفية، بل إن أحدث الأبحاث تتحدث عن أن الرياضيات والفيزياء نفسها ليست علوما صحيحة بإطلاق، وهذا موضوع آخر.
خذ لذلك مثالاً، الأبحاث والدراسات الاستشراقية، فأغلب هذه الأبحاث تقدّم “حقائق” تاريخية أو واقعية عن الشرق، ودين الشرق، وتاريخ الشرق وما إليه، لكن هذه الحقائق تُقدَّمُ بشكل يخدم إيديولوجيا معينة، هي إيديولوجيا الاستعمار، واستراتيجيات الهيمنة عموما.
فحينما يقع تقديم الشرقي في القرن التاسع عشر (التونسي مثالاً) باعتباره فقيرا، أو متخلٍفا أو وسخاً أو تغلب عليه الأمّية والجهل والخرافة الخ ، فإن هذا الوصف هو من حيث الواقع المادي صحيح، ولكنه من حيث الخلفية والاستراتيجيا تمهيد للاحتلال، ودعاية للتفوق الغربي، علميا وعسكريا وماديا وغيره. وهو ما وقع فعلا، وهذا لم يعد محل شك من أحد.

ما نلاحظه هنا، في آية المنافقين، أو في الكتابات الاستشراقية (في أغلبها الأعمّ) هو أن الحقيقة ليست دائما “حقيقة”، إنما قد تتلبّس بسياقات وظروف تحتّم على الباحث أن يتريّث ويتثبّت ويشكّ، ويستدعي منه تحصين تلك “الحقيقة” بعوامل أخرى ليطمئنّ إليها ويعتمدها.

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة “للحقيقة” كما سبق بيانه، فماذا عما هو دون الحقيقة وضوحا وبياناً.
الحديث اليوم عن كثير من القيم والمبادئ، كالديمقراطية والتقدمية والوطنية والقيم الإنسانية والحداثة وغيرها، يثير من المشاكل المفهومية والإجرائية أكثر مما يثير من الوضوح.

وهذه في اعتقادنا واحدة من المعارك الكبرى التي تعترض التونسيين في طريقهم الطويل نحو الخلاص من الوَحَل الحضاري والسياسي الذي أبى أن ينتهي.
معارك المفهوم، والحقيقة ، بما هي “حقيقة” وليس بما هي “شهادة المنافقين”، أو سرديات المستشرقين.

صالح مطيراوي

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق