ثقافةمقالات رأي

في الموضوعية والحياد… والأمانة.

ميديا بلوس-تونس-في الأيام الأولى من شهر فيفري 2010 حضرتُ مناقشة أطروحة دكتوراه في كلية الآداب بسوسة، وكان ممّا آخذ به رئيسُ اللجنة الباحثَ ، بطريقة فيها كثير من السخرية والازدراء، قوله (قول الباحث) في معرض اطروحته كلمة “أمّتنا”.
قال رئيس اللجنة للباحث ساخرا: “إن الباحث لا أمّة له”.
ومعنى قوله بطبيعة الحال، وكما يعرف الباحثون والأكاديميون، أن على الباحث أن يترك مسافةً بينه وبين موضوعه لإضفاء أقصى ما يمكن من النزاهة العلمية على طرحه.

بعد أيام قليلة من هذه الحادثة، كنت أنا نفسي أمام لجنة مناقشة رسالتي الجامعية، وكان نفس هذا الأستاذ مؤطّري المشرف في تلك الرسالة.
وعلى عادة الجامعيين خلال مناقشة الرسائل والأطاريح، يعطون الباحث فرصة من ربع ساعة لتقديم بحثة للجنة المناقشة، من حيث موضوعه وطرحه وأهميته ومنهجيته ورهاناته وحصائله… الخ.
ولما كان الموضوع الذي ناقشتُه يتعلق بقضية سياسية وثقافية وحضارية بامتياز ، فقد غامرتُ وقلتُ للجنة بوضوح إنني لن أكون محايدا خلال الطرح، إذ كيف أكون محايدا في موضوع يتعلق بذاتي وهويتي وثقافتي ودوري في المجتمع.

ليست الموضوعية والحياد في نظري ألاّ يكون لك موقف، أو أن تقف على نفس المسافة من الأطروحة ونقيضها، أو أن تبرر كل شيء، من أجل أن تكتسب صفة “المحايد”.
بل الموضوعية أنك وأنت تقدم وجهة نظرك، وتدافع عنها وتدعو لها، أن تتيح الفرصة في بحثك لوجهة النظر المقابلة، وأن تتفهّم ما يمكن أن تكون عليه وجهة النظر المقابلة هذه من وجاهة ومعقولية، وأن تفسح لها المجال ما أمكن، عبر قراءاتك الكثيرة المتنوعة، وعبر عرضها في أطروحتك، من دون أن تصبح على قدم المساواة بالضرورة مع وجهة نظرك.

الموضوعية والحياد مرض أكاديمي، يتسلل إلى الحياة السياسية، وكما يُفضي الحياد في الأكاديميا بالمعنى الذي ذكرتُه إلى طمس الذات وإفنائها، يُفضي في السياسة كذلك إلى إفراغ العملية السياسية والانتخابية من محتواها، وإلى تمييعها.

في الأكاديميا ، وفي السياسة، يمكن ألاّ تكون محايدا، ولكنك أمين، والأمانة مقدَّمة على كل ما سواها.
أما الحياد فهو كسرابٍ بِقيعةٍ يحسبه الجاهل “فضيلة”، حتى إذا جاءهُ وجدهُ وهْمًا على وهمٍ.

صالح مطيراوي

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق