ثقافةكاتب وكتاب

زينب، والبحث عن مدينة الرّيم…

ميديا بلوس-تونس-زينب حكاية طفت على سطح ذاكرتي و أنا أتابع بحسرة في إحدى القنوات التّلفزيّة لوعة أمّ التّلميذة مها القضقاضي الّتي جرفتها مياه النّهر وهي عائدة من الدّرس ذات ثلاثاء عاصف مشؤوم كانت الأمّ تنعى ابنتها قائلة ” لقد وعدتني أن تصير معلّمة وتهبني المال وتقتل مارد الفقر الّذي يتغذّى من حياتنا ولكنّ النّهر قتلها”.

تذكّرت حكاية زينب لأنّ بطلتها طفلة أيضا ترتاد المدرسة وهي طفلة ريفيّة أرادت أن تقتل مارد الفقر في أسرتها ولعلّها نجحت حيث فشلت مها فالنّهر لم يقتلها ولكنّ الجحود والنّكران قد فعلا والقتل أنواع وخلف حكاية نجاحها في مصارعة الفقر والقضاء عليه مأساة أخرى هي فصل من فصول عديدة في مجلّد حكايات المرأة.

زينب هي حكاية امرأة بقلم امرأة وهي أقصوصة سرقت الأضواء من المجموعة القصصيّة لا فقط لأنّ صاحبتها نالت بها جائزة في مسابقة القصّة القصيرة لنساء البحر الأبيض المتوسّط بل لأنّها أيضا حكاية امرأة وحكايات النّساء في شمالنا الغربيّ البارد عجيبة غريبة تمتزج فيها التّضحيات بالأحلام الموؤودة امتزاجا عجيبا هي حكايات تأخذ ملامح المعاناة منذ الطّفولة فالّتي تولد أنثى هناك تتعلّم أن تكون رجلا لتشدّ عضد الرّجال من حولها وهي الّتي تحبّهم وتشفق عليهم وتريدهم أن يكونوا سعداء.

وزينب الأنثى تخلّت عن أنوثتها ذات لحظة فارقة لتشدّ عضد والدها فالطّفلة الّتي هالها أن يبكي أبوها قهرا إذ سلب ماله القليل وسلبت معه فرحته بأن يعود محمّلا بما طلبه أبناؤه من أشياء زهيدة قرّرت أن تتحدّى وخز الأشواك ووعورة المسالك الغابيّة وخطورة السّيّارات العابرة للطّريق بلمح البصر لتجمع بعض حبّات زعرور وتبيعها وتغسل أغطية النّسوة المدلّلات الثّقيلة و تشارك عمّال الحضائر خلط الرّمل والاسمنت ونقله في دلاء ثقيلة على ضعف بنيتها الجسديّة وذلك في سبيل حفنة جنيهات ستصرفها يوم السّوق الأسبوعيّة لتشدّ عضد أبيها ذلك الّذي أشقته أعباء الحياة ومتطلّبات الأسرة ولتنشر الفرح في نفوس أولئك الّذين أحبّتهم.

نجحت خرّيجة الحياة الّتي تخلّت عن مطامحها من أجل تحقيق مطامح أحبّتها في تأدية رسالة نذرت لها نفسها وصار هؤلاء الّذين تبنّتهم وأنفقت عليهم من مالها القليل وجهدها الكثير وأحلامها الموؤودة خرّيجي جامعات لكنّهم ما عادوا يحتاجون أموالها بل ما عادوا يقبلون بساطتها وجهلها وهم الّذين أتخموا بدراسة الفلسفة والقانون وتعتعتهم الرّياضيّات والفيزياء فانكفأت على ذاتها تلعق جراحا لعلّها لا تراها جراحا وفي عرف العشّاق جراح الحبيب أكل زبيب وعادت بذاكرتها إلى طفولة أولى هي نقطة البداية قبل طفرة التّحوّل فاتّخذت أويقات الزّمن تلك مرتاضا لها تعود إليها بخيالها فتنسى واقعها واقع الجحود والنّكران والغربة الرّوحيّة ولعلّنا نتساءل هنا هل إذا سمح لها الزّمان اليوم بالعودة فعليّا لا افتراضيّا إلى تلك النّقطة الزّمنيّة من حياتها هل كانت ستختار اختيارا آخر يكون عقلانيّا فيه ابتعاد عن العاطفة والهوى وماجرى مجراهما من العواطف الجارفة فتنصف نفسها على حساب الآخرين أم أنّها ستكرّر التّاريخ بكلّ بلاهة كما يقول أحد المؤرّخين وستمنح مرّة أخرى وبسخاء لمن تحبّهم فرصة للعيش الكريم على حساب نفسها فهي الأنثى والأنثى لن تكون إلاّ معطاء وإن لم يقدّر الآخرون قيمة هذا العطاء.

نجاة الوسلاتي

اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!