ثقافة

أضاحي الفينيقيين…| رياض الورفلي.

ميديا بلوس-تونس-عرف طقس تقديم الأضاحي البشرية أو ملك دم عند الفينيقيين، وأشار العهد القديم إلى وجوده كذلك عند العبرانيين والكنعانيين في عدة مواضع. وقد انتقل هذا الطقس الشعيري مع الفينيقيين إلى مستوطناتهم الجديدة غرب المتوسط.
هذا وقد تعرضت الكتابات الكلاسيكية إلى هذا الطقس، ولعل من أهم تلك الكتابات ما أورده فيلون الجبيلي، الذي أنفرد بالحديث عنه في فينيقيا نفسها، في حين تناولته الكتابات الأخرى عند فينيقيي غرب البحر المتوسط (العالم البوني). ويذكر أنه كان من عادة الفينيقيين تقديم الأضاحي البشرية في بعض الحالات، كقُبيل تنفيذ مشروع مهم، ذكر أن القرطاجيين إذا ما رغبوا في إنجاز مشروع مهم يعدون بتقديم طفل كأضحية للإله كرونوس (بعل حمون)، إذا ما تحققت رغبتهم، أو عندما تداهمهم الأخطار الشديدة كالحروب، فقد أشار فيلون الجبيلي إلى أن الفينيقيين كانوا يقّدمون على تقديم أبنائهم كأضاحٍ عندما تداهمهم الأخطار، وأفاد ديودوريوس الصقلي بأن القرطاجيين عندما حاصرهم طاغية سيراكوزة أجاثوكليس في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، قدّموا للنار مئتي طفل من بين أبناء أعيان المدينة، لاعتقادهم بأن هزيمتهم هذه كانت نتيجة لغضب الآلهة عليهم وتخليها عنهم لتجنبهم تقديم أطفالهم لها كأضاحٍ واستعاضتهم بأطفال يشترونهم، وتكفيرًا عن هذا الذنب ضحوا بثلاثمئة طفل آخر، ثم قدّم ديودوريوس وصفًا لكيفية ممارسة هذا الطقس، إذ يقول بأنه كان يوجد تمثال من البرونز، وذراعاه ممدودتان للأمام بميول للأسفل بطريقة تجعل الأضحية تتدحرج وتقع في حفرة اللهب، هذا ويضيف بلوتارخوس بأن القرطاجيين يقدمون أطفالهم أضاحٍ على مذابح الآلهة، أما أولئك الذين لا أولاد لهم فيشترون أطفال الفقراء، وأثناء ذلك تقف الأمهات بلا أدنى دمعة أو تنهيد، وتقرع أثناءها الطبول وتتعالى أصوات الحضور الصاخبة، ربما حتى لا يسمع صراخ الأطفال المضحى بهم وهم يحترقون.
الأضحية البديلة/ مما لاشك فيه أن التضحية بفلذة الكبد مصدر ألم وتعاسة، رغم روح الإيمان التي تغمر المضحي بابنه. لذلك استبدلت الأضحية البشرية بأخرى حيوانية، وهي بديل ارتضته الآلهة، ففي فينيقيا شهد هذا الطقس اضمحلالًا عندما حاصر الإسكندر الأكبر مدينة صور في 333 ق.م ذكر أن بعض الصوريين دعي إلى تقديم الأطفال الأحرار كأضاحٍ للإله ساتورن، حتى يرضى عن المدينة ويدعمها، غير أن أعضاء مجلس الشيوخ فيها رفضوا ذلك.
أما في الغرب الفينيقي (العالم البوني) استعيض عن تقديم الأضحية البشرية بأخرى حيوانية، ففي منطقة التريبوليتانيا دلت تحاليل بقايا العظام المحروقة بتوفيت رأس المنفاخ بصبراتة، أنها تخص حيوانات صغيرة يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، في حين تبين أن عملية الاستبدال جرت قبل ذلك في سالامبو بقرطاج وكذلك في مالطا، إذ تعود إلى منتصف القرن السادس قبل الميلاد، أما في سوسة بتونس فقد بدأت بقايا عظام الحيوانات في الظهور منذ القرن الرابع قبل الميلاد.
و يبقى البحث جاريا في الموضوع ..

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أضاحي الفينيقيين…| رياض الورفلي.”

  1. فقط للتصحيح الفينيقيين هم كنعانيين أصلا، و ليسوا مختلفين، و الأمازيغ بشمال إفرقيا هم من ذرية أمازيغ إبن كنعان، أي أصلهم عرب كنعانيين جاؤوا لشمالإفريقيا عبر البحر، بينما البربر فهم من أبناء بر جاؤوا مباشرة من اليمن برا، و مروا بمصر كواحة سيوة بالصحراء الغربية لمصر، و تريبوايتانيا أي ليبيا وصولا لتونس و الجزائر، و المغرب,

اترك رد

إغلاق