ثقافة

زغاريد…| عماد بن صالح.

ميديا بلوس-تونس-تعد الزغاريد، من العادات والتقاليد العربية المتوارثة عبر الأجيال. وهي شكل تعبيري، ارتبط بالمرأة في المناسبات السارة، من المغرب إلى المشرق. فالزغرودة، تعد عادة مشتركة بين النساء العربيات.
تعريف:
هي إحدى الأشكال التعبيرية الخاصة بالمرأة، وتقوم على اصدار صوت الولولة عبر التحريك الجانبي للسان داخل الفم بصفة متتابعة مع إصدار الصوت بإخراج الهواء من الحلق بقوة بالاستعانة باليد. وهكذا يكون ترديد الصوت في الحلق في تواتر تام وانسجام.
تعدد التسميات:
للزغاريد تسميات مختلفة في البلدان العربية، فتعرف ب”الزغاريت”، في دول المغرب العربي وتسمى “زغاليط” أو “الزلاغيط” في منطقة الشام، بينما تسمى ب”الغطرفة” أو “اليباب”، في منطقة الخليج العربي .لئن تعددت تسمياتها، فإن المعنى يظل واحدا وكذلك المقصد، فالزغرودة، هي تعبير، نفسي وجسدي في آن واحد عن الفرح والبهجة. وقد ارتبط في الذاكرة الجماعية بفكرة البركة.
لمحة تاريخية
الزغاريد ليست ظاهرة اجتماعية حديثة ولكن لها بعدا تاريخيا عميقا، حيث أنها تعود إلى الفترات السحيقة. إذ يرى الباحثون أن أصولها ترجع إلى عصور قديمة جدّا يصعب تحديدها بدقة، حيث يرجعون جذورها إلى:
– تقاليد وثنية قديمة كانت تقوم بها النسوة تقربا من الآلهة لطلب المطر. ويرجحون أن ولولة الشاميات “أويها”، سريانية الأصل ارتبطت بأسطورة الآلهة “ليليث”، التي ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد.
– كما تفيد المصادر التاريخية بأن نساء العرب في الجاهلية كانت ترافق الرجال إلى ساحة المعارك لإثارة الحماس والإقدام في قلوبهم بقرع الطبول والدفوف وإطلاق الزغاريد عاليا.
– بينما يرجع آخرون الزغرودة إلى الهنود الحمر، الذين اعتمدوها في الصيد والمعارك وأنها قدمت إلى العالم العربي حديثا عبر الرحالة منذ القرن السابع عشر، وهو رأي لا ندعمه وسوف أبين لماذا لاحقا.
رغم اختلاف الباحثين في أصول الزغاريد، فإنها تظل علامة مميزة للنساء العربيات اللاتي حافظن على هذه العادات القديمة فصارت إعلانا على الفرح، خاصة في البوادي والمناطق الشعبية. وهي تتميز بالشمول والانتشار وكذلك بالتعدد والتنوع، إذ لكل بلد زغاريده الخاصة التي يتميز بها عن غيره وتندرج ضمن تراثه الشعبي.
تنوع الزغاريد بين المغرب والمشرق:
باعتبارها تعبير تلقائي صادر عن الشعور بالسعادة والفرح، فإن الزغاريت في شمال افريقيا موغلة في القدم وذلك بشهادة هوميروس الذي ذكر منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد ولولة المرأة الأمازيغية وعبر عن اعجابه بها وبصوتها. كما تفيد الوقائع أن في ملحمة الإلياذة يقوم الملك أوليس بصم أذنيه حين كان في مركبه قرب الشواطئ الليبية حتى لا يسمع أغاني وزغاريد النساء الأمازيغيات فيقع تحت تأثيرها.
وتتجاوز الزغاريد مناسبات الزواج لتشمل كافة المناسبات السعيدة كالولادة والختان والخطوبة والنجاح وعودة المسافر سالما غانما ومغادرة الحجيج ووصولهم وتحصيل الرزق وغيرها. من ذلك أنها تنتشر أيضا في مواسم جني الزيتون والحصاد و”العولة” والمناسبات الاجتماعية وحتى الدينية. وتتشابه الزغاريد في كامل شمال افريقيا، حيث تغيب الكلمة وتقتصر على اصدار صوت واحد طويل يطلق في الهواء وينتج عنه صدى مرتفع، له بعد تأثيري.
في تعبيرها عن الفرح، يمكن أن تتزامن الزغاريد مع تشييع مواكب الجنازات أيضا خاصة إذا ما كان المتوفى أعزبا أو شهيدا. وهو ما تنقله لنا الشاشات أثناء الأخبار لما تغطي نضالات الشعب الفلسطيني وسقوط شهداء من المقاومة. إذ غالبا ما نسمع زغاريد ترافق خروج موكب الجنازة .وهو ما دأبت عليه الأعمال الفنية كذلك، حيث عمد المخرج في نهاية فيلم عمر المختار إلى إطلاق زغاريد النساء عندما قام الجيش الإيطالي بإعدامه شنقا. فقد وقفت النسوة الليبيات يزغردن بقوة تعبيرا عن فرحتهن بعمر المختار لنيله مرتبة الشهادة وتأكيدا على انتزاع القوة من جيش الاحتلال لأنه لم يستطع هزم زعيمه وإرادة الشعب الليبي لنيل حريته واستقلاله.
عكس الزغاريد الشرقية وخاصة منها الشامية تتسم الزغاريد الشامية، التي تتميز بعدم اقتصارها على اصدار صوت الزغرودة، بل يضاف إليه ترديد كلمات ثرية ومعبرة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وذكر محاسن العروس والعريس، وتختص بها نساء سوريا وفلسطين والأردن ولبنان.
تفسير رؤية الزغاريد في المنام:
من مظاهر أهمية الزغاريد تواترها في الأحلام وتعدد المفسرين لها، حيث يحفل التراث العربي بهم ونكتفي بذكر أشهرهم. وهم ابن سيرين وقد عاش بالبصرة في القرن السابع، ابن شاهين وقد عاش في بغداد في نفس الفترة، والنابلسي وغيرهم .في تأويلهم للزغاريد أثناء الأحلام، اتفق هؤلاء المفسرون على اختلاف المعنى حسب الحالات من ذلك أن:
– إن رأت العزباء في منامها الزغاريد وكانت مخطوبة فإن رؤيتها تدل على اقتراب موعد عقد قرانها، أما إن كانت ليست مخطوبة فهذه الرؤيا تدل على ارتباط قريب.
– أما البنت التي ما زالت تدرس فإن ذلك يدل على نجاحها وتفوقها في دراستها.
– في حين فإن رؤية العزباء أنها هي من تزغرد بنفسها فإن هذا معنى شؤم وتطيّر.
– رؤية زغاريد الأم أو الجدة في المنام من الرؤيا المحمودة للمرأة المتزوجة.
– المتزوجة التي ترى في منامها أن هناك مجموعة من السيدات بدأن بالزغاريد في منزلها دل هذا على قدوم أخبار سعيدة لها.
– إن رأت الحامل في منامها زغاريد وكانت كثير فإن رؤيتها تدل على أنها ستضع مولود ذكر.
– أما عن سماع صوت الزغاريد من قِبل أحد أقارب الرجل مثل الزوجة أو الأم تلك بشارة للرائي.

 

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق