الطفلثقافة

المحلية وخلق الخصوصية في قصة الرندي.

ميديا بلوس-تونس-الكتابة للطفل بالرغم من سهولتها، إلا أنها تتسم بالخطورة والصعوبة أيضاً، فالطفل يتلقف كل ما يصادفه، لأنه في هذه المرحلة العمرية يكون رهيناً لحواسه، لهذا يتوجب على الكاتب للطفل أن يكون على حذر لمراتٍ مضاعفة. فالكلمة، والصورة والمشهد، وكل التفاصيل المتعلقة بحاستي السمع والبصر تسهم في تكوين توجهاته وقيمه، وبالتالي التأثير على شخصيته وسلوكياته.

الاهتمام من قبل كتّاب أدب الطفل، بالمواضيع المتعلقة ببعض المشاكل السلوكية للأطفال، أو بعض الأمراض ليس عيباً، لكن الاستغراق في تناول تلك الموضوعات والإسراف في الاهتمام سوف ينال من قيمة تلك المسائل وضروراتها وحساسيتها. وغالباً ما يكون سبب اندفاع الكاتب نحو الكتابة في تلك المواضيع، مرتبطاً بسياسات دور النشر أو الجوائز الأدبية، التي تشجعهم على الخوض في تلك الكتابات، أو لنجاح بعض النصوص التي تناولت مثل تلك المواضيع.

ما شجعني على الكتابة عن قصة (مفاجأة أبي) للكاتبة (أمل الرندي)، بعيداً عن تفاصيل أخرى كثيرة، هو تناولها لفكرة مختلفة عن السائد، وأيضاً استثمارها في طرح تفاصيل الحكاية لبيئتها المحلية.
تحاول (الرندي) في قصتها أن تزرع في الطفل بعضاً من المبادئ والقيم النبيلة، التي لابد أن يتمتع بها كل فرد في المجتمع، بعيداً عن الحالة الاجتماعية والمادية، فتلك القيم والمبادئ قواسم مشتركة، وقيم جمعية لا تختلف من فرد لآخر، غنياً كان أم فقيراً، صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً كان أم امرأةً.

تفتح الكاتبة الأبواب أمام الطفل على معالم الأخلاق الحميدة، وجملة من القيم الحسنة، كالتواضع، والحكمة والرحمة، مستندةً على حامل موفق في نصها. إذ اختارت الكاتبة شخصية لطفل من أبناء العائلات الغنية، والذي يمر بأحداث متتابعة، تسرد من خلالها ما تريده من تفاصيل حكايتها.

تبدأ القصة باستعداد الطفل للذهاب مع والده إلى مكان عمله، فيرتدي ملابس رسمية ظناً منه أن الأعمال غالبا ستكون مؤطرة بالإدارة الرسمية والجلوس وراء الطاولات وإلقاء الأوامر والتعليمات على العمال والموظفين الذي يشعرون دائماً بشعور الخوف من رب العمل. ليتفاجأ بكلام والده الذي يطلب منه ارتداء ملابس ملائمة للذهاب إلى موقع العمل. وليلاحظ الطفل والده صاحب الشركة كيف يعمل مع العمال ويجلس معهم، وكيف أن تلك الحالة من الاندماج والتفاعل مع العمال يعطيهم حافزاً ايجابيا على العمل بأمانة ورضا.

وأيضاً تستتفيد الرندي من مسألة العمالة الأجنبية في بلدان الخليج في مسار حكايتها دون النيل من كرامتهم وهذه النقطة تحسب لها، فكلنا نعرف بكثافة أعداد العمال الأجانب في تلك البلدان. إذ يتسبب العامل الأجنبي في شركة والد بطل القصة بخسارات فادحة للشركة، وعندما يعترف العامل الأجنبي بأنه هو المتسبب بالضرر، فيكون الاحتمال المباشر للطفل بطل القصة؛ أن والده سوف يطرد العامل من العمل بسبب الخسارة التي تسبب بها، وهنا تأتي الخطوة الموفقة الثانية من قبل الكاتبة في طرح القيمة التي ترغب بها، فتستحضر الحكمة، وضرورة الاستماع إلى العامل، ومعرفة سبب الإهمال. ولأن الأمر كان متعلقاً بأمر أشد أهمية من تلف بعض الأكياس من الاسمنت في الشركة، وهو تعرض ابن العامل لحادث، كان قرار الأب صاحب الشركة، بضرورة الانتباه في المرات القادمة، إضافة إلى عن سؤاله عن سلامة وصحة ابن العامل. وعن رغبته في عيادته لابن العامل مع ابنه.

تسير أحداث القصة بشكل واقعي جداً. لم تهتم الكاتبة بخلق أية مساحات إبداعية تحفز خيالات الطفل، أو تحرضه على بناء عوالمه الخاصة حول الحكاية. اللغة المستخدمة في القصة كانت رتيبة بعض الشيء، وكان السرد في القصة تقليديا جداً، وكأننا أمام موضوع إنشائي ومدرسي. الحيوية والحركية كانتا غائبتين، لهذا كانت المشاهد أيضا محكومة بتلك الجمل والعبارات الطويلة والرتيبة، فأمام مثل هذه القيم والمبادئ كنت أتصور أن يكون الطفل أمام جمل ومقولات عظيمة وعلى درجة عالية من الحساسية والحكمة. مما يساعده على امتصاص ما أرادت الكاتبة قوله بسهولة.

بما أن الصورة والحاسة البصرية، من أهم مكونات كتاب الطفل التي تشد انتباهه ورغبته للقراءة، فلقد شعرت بضعف الصورة والمشهد في القصة. صحيح أن الطفل أمام حكاية واقعية، وصحيح أن اللوحات كانت واقعية في ترجمة الجملة إلا أن الطفولة تحتاج إلى مساحتها الخاصة من أجل إشعال جذوة المخيلة وتخيل المشاهد وفق تصورات كل طفل قارئ، وهو يحاول تكوين الحكاية بكل تفاصيلها في مخيلته.

أيضاً. الإخراج الفني للكتاب كان يشوبه الضعف، وذلك بسبب فرز الكتابة عن اللوحة، فالكتابة موجودة بصفحة واللوحة في صفحة أخرى، إلى جانب عدم توزيع الكتابة إلى مقاطع صغيرة، مما سيشعر الطفل ببعض التململ أثناء القراءة. صحيح أن القصة موجهة إلى الفئة العمرية ما بين العاشرة والثانية عشر، إلا أن هذا الإخراج غير محبب حتى لهذه الفئة العمرية.

في الختام…
كلنا محاطون بتفاصيل وأحداث ومشاهد تتناسب مع وعينا، والقيم والأخلاقيات والعادات التي نتمثل لها أو تكون قريبة منا، لهذا جميل أن ينطلق الكاتب من بيئته ومحيطه لطرح مواضيعه وأفكاره، التي ستساهم بشكل أو بآخر في تكوين وبناء شخصية الطفل وتصرفاته.

عن صفحة طباشير

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق