مقالات رأي

استقالة الحريري… هل جاءت استِجابةً لمطالب الحِراك الشعبيّ أم لضُغوط خارجية؟

استقالة الحريري.. هل جاءت استِجابةً لمطالب الحِراك الشعبيّ أم لضُغوط خارجية؟ وما هي البدائل الثلاثة لحكومته؟ ولماذا نعتقد بأن المحتجين لن يكتفوا بهذا الانتصار و”اكباش الفداء” المعروضة للذبح؟ وهل بدأت حالة الفراغ التي حذر منها السيد نصر الله تتبلور؟ وما هي احتمالات الحرب الاهلية؟

اختلفت الآراء في الشارعين اللبناني والعربي حول الاستقالة المفاجئة للسيد سعد الحريري، رئيس الوزراء، في اليوم “الثالث عشر” للانتفاضة، فالبعض رآها هروبا من المسؤولية، ولا تشكل حلا، بل تعمق الازمة، بينما رآها معسكر آخر بأنها خطوة شجاعة كان من المحتم اتخاذها استجابة لمطالب الحراك ولمنع الانزلاق الى الحرب الاهلية في ظل حالة التوتر الطائفي المتصاعدة.

الرئيس الحريري الذي كان يرفض الاستقالة منذ اليوم الأول لبدء الحراك، قال في كلمته المختصرة ظهر اليوم الثلاثاء ان جهوده وصلت الى طريق مسدود، وباتت استقالته حتمية، ولكن الرئيس ميشال عون الذي كانت هذه الاستقالة بمثابة الصدمة له، طالبه بالتريث، ولم يبت فيها، رفضا او قبولا، ربما لكسب المزيد من الوقت، واجراء الاتصالات المطلوبة مع ابرز حلفائه خاصة في “حزب الله” وحركة “امل”، وقوى لبنانية أخرى.

ما حذر منه السيد حسن نصر الله، زعيم “حزب الله”، في خطابه قبل أربعة أيام ورفض فيه استقالة الحكومة وتمسك بالعهد، تجنبا للفراغ السياسي، الذي يمكن ان يتطور الى حرب أهلية بدأ يتحقق، والبداية استقالة الحكومة، وتعرض المتظاهرين السلميين في الميادين والشوارع لهجمات من عناصر “مجهولة” يعتقد البعض انها تنتمي “طائفيا” الى حركتي “امل” و”حزب الله”، ولفتح الطرقات بالقوة، عززت من احتمالات “الاقتتال” الأهلي، وهو ما نفاه الجانبان.

***

لبنان، وبعد هذه الاستقالة، بات على فوهة بركان، خاصة ان هناك قوى عديدة، داخلية وخارجية، إقليمية ودولية، لا تريد له الامن والاستقرار، وتستهدف “حزب الله” على وجه التحديد، الذي بات يشكل قوة سياسية وعسكرية فاعلة وحاسمة، في قضايا عربية، ويشكل تهديدا وجوديا لدولة الاحتلال الإسرائيلي، والمشروع الأمريكي في المنطقة.

لا نعرف ما اذا كان قرار السيد الحريري بالاستقالة، وفي هذا التوقيت، جاء انطلاقا من قناعاته الشخصية الصرفة، أم استجابة لضغوط هذه الجهات الخارجية، وخاصة الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج، وما نعرفه انه قاوم هذه الضغوط في الماضي، ورفض الانجرار الى مواجهة مع حركة المقاومة، سياسية او عسكرية، رغم تهديده، ومن هذه الجهات نفسها (السعودية ابرزها) بإيجاد البدائل، وعلى رأسهم شقيقه بهاء الحريري، واشرف ريفي، وفؤاد السنيورة، وكلهم، وغيره، يسن اسنانه حاليا طمعا بالمنصب.

لا نعتقد ان المحتجين، وبعد ان حققوا هذا الانتصار الكبير، سيتوقفون عنده ويخلون الشوارع ويعودون الى بيوتهم آمنين، لان لديهم لائحة طويلة من المطالب، ابرزها اجتثاث هذا النظام الطائفي الفاسد من جذوره، وتعديل، او بالأحرى تغيير، قانون الانتخاب، وجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، وقطع دابر الفساد ومحاكمة الفاسدين، واستعادة جميع المليارات المنهوبة الى خزينة الدولة، وإصلاح المؤسسة القضائية بما يضمن نزاهتها واستقلاليتها، وجميعها مطالب مشروعة.

هناك ثلاثة سيناريوهات أساسية تتعلق بكيفية التعاطي مع الازمة الوزارية المتوقعة، والفراغ التنفيذي الذي يمكن ان يترتب عليها:

    • الأول: إعادة تكليف السيد الحريري بتشكيل الحكومة، وإخراج وزراء متهمين بالفساد من صفوفها مثل جبران باسيل، وزير الخارجية صهر الرئيس عون، وحسن خليل، وزير المالية، الذي يعتبر من اقرب المقربين الى السيد نبيه بري، رئيس البرلمان وحركة “امل”، ورئيس البنك المركزي اللبناني وآخرين.
    • الثاني: تشكيل حكومة تكنوقراط من الخبراء ونظيفي اليد والسيرة السياسية، برئاسة السيد الحريري او غيره، تكون محدودة العدد، مهمتها اخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية الطاحنة، ومنع الانهيارين المالي والاقتصادي.
    • الثالث: تشكيل حكومة من القوى الكبرى الغالبة في البرلمان، والمنسجمة سياسيا، أي من “حزب الله” والتيار الوطني العوني، وحركة “امل” وبعض الجهات السنية الحليفة الموالية والداعمة لمحور المقاومة، برئاسة شخصية سنية مقبولة لجمع هذه الاطراف، ومشهود لها بالنزاهة، وهناك جناح متشدد من أنصار محور المقاومة اللبناني يلوح بهذا الخيار بقوة، ويعتبره آخر العلاج، والطريق الأمثل لإجهاض “المؤامرة”، حسب ادبياته.

***

السلطة السيادية اللبنانية فشلت.. الحكومة الوطنية الائتلافية القائمة على المحاصصة الطائفية، قادت البلاد الى الافلاس والدمار.. الاقطاع الديني والمذهبي استفحل وتعمق وبات يفرّخ المشاكل والأزمات، ويرتبط بجهات خارجية لا تريد للبلد الاستقرار.

الانتفاضة الشعبية العارمة التي انفجرت في لبنان قبل أسبوعين، انتفاضة غير مسبوقة في تاريخه، وكانت عفوية حققت اجمل صور التعايش، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة تحت سقفها، ووضعت اصبعها على جذور الازمات اللبنانية أساس البلاء، معظمها، ام كلها، وهي الفساد والطائفية والاقطاع السياسي، ولا نعتقد انها ستتوقف ما لم تحقق كل أهدافها، واللبنانيون شعب جدي متميز اذا ثار دمر كل شيء امامه من فساد وفاسدين، واذا قاتل فإن قتاله هو الاشرس، والحرب الاهلية التي استمرت 15 عاما، قاتلت فيها الجميلات الى جانب الرجال هي الدليل.. فحذار.. حذار.

كيف سيتم التغيير الجذري، والقضاء على الفساد والطائفية، ودون المس بسلاح المقاومة، هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهه لبنان حاليا، واي خلل في هذه المعادلة، استجابة لقوى تريد تفجير لبنان من الداخل، لتحقيق ما تعجز عنه عسكريا، أي القضاء على “حزب الله”، ونزع سلاحه سيقود الى المواجهة العسكرية والحرب الاهلية التي لا تتمناها، وتسعى الى تجنبها جميع الكتل السياسية والطوائف اللبنانية، لانه سيخرج منها، في حال اشتعال فتيلها، الجميع خاسرين، ولبنان آخر غير لبنان الذي نعرفه.

هناك جهات خارجية لها أدوات داخلية تبدأ بالتحريض، وبذر بذور الفتنة بدهاء من خلال الاندساس وسط المتظاهرين، وبأساليب ناعمة في البداية، تبدأ بتوزيع الطعام والاعلام، وتنتهي بتوزيع السلاح.. والحذر مطلوب.. وتفهم المطالب الشعبية المشروعة مطلوب أيضا لإجهاض سحب الفتنة التي تغطي سماء لبنان بكثافة هذه الأيام، ونأمل ان نكون مخطئين.. والأيام بيننا.

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق