المرأةثقافة

متجر الأحلام…| قصة لرجاء البحري.

ميديا بلوس-تونس-“الماجيسيان” لتحقيق كل أحلا…” ضغط على زر التلفاز بعد أن أطفأ الأنوار قاطعا الاعلان الاشهاري المتكرر منذ أشهر حول المركز التجاري المزمع فتحه قبالة منزله. جلس في الشرفة وحيدا يتصفح عروض الشغل. فبعد قرار هدم “مركز العرائس والدمى” يصيرا رسميا غدا “عاطلا عن العمل”. هو لن يقبل العمل في مشروع “الماجسيان” كماعرض عليه ولو براتب مضاعف حتى و إن تسبب ذلك في انفصال خطيبته عنه. فبعد نقاش حاد حول العرض نعتته بالفاشل ورحلت.
زفر وهو هو يغلق صفحة الاعلانات ليفتح الفايس بوك.

كانت تقف عند النافذة المقابلة تماما. شعرها المجعد الأحمر الطويل أضفى عليها هالة خرافية. “ماذا تفعل؟ مجنونة! إنها ستلقي بنفسها من النافذة” تساءل. “لا! لا! لا تفعلي” راح يصرخ كطير ذبيح غير أنها لم تصغي لتوسلاته لتتهاوى على الأرض أمام ذهوله.
قذف بنفسه للخارج ملتهما درجات السلم المتعرج يكاد يقع في أية لحظة.
وقف في منتصف الشارع. تطلع حوله بعصبية. “أين اختفت”.ّّ… “تراني كنت أهذي”….
في غمرة حيرته لمح طيفا يدخل المتجر المهجور الصغير الملحق بمركز العرائس من ممر ضيق جدا ما كان ليميزه لولا نور خافت فالباب الرئيسي موصد بسلاسل وقفل ضخم أكله الصدأ.
تتبع الطيف دون إرادة وكأنما قوة غريبة وخفية تجذبه. “هذا جنون” همس وهو يتطلع للافته صدئة كتب عليها “متجر الأحلام البعيدة”
منذ سنوات خلت افتتح هذا المتجر رجل يقدم عروض سحرية وبهلاوانية للأطفال بالتوازي مع مهنة التجارة. بعضهم يقول أنه روحاني … رجل غريب الأطوار. البعض أطلق عليه صانع أحلام فيما اعتبره البعض الآخر بائع أوهام.
روايات غريبة نسجت حول المكان. الرجل اختفى في ظروف غامضة بعد ما استفاقت المدينة في أحد الأيام على سرقة متجره. منذ اختفائه هجرت المدينة الأحلام السعيدة وعمت الكوابيس. بعد ذلك الحادث تقرر غلق المتجر بإحكام في انتظار هدمه.
تسلق الدرج بخطى مترددة. استوقفته غرفة صغيرة رجح أن تكون للعب الأطفال. كانت خالية إلا من بعض دمى متناثرة على الأرضية التي نبت في بعض جنباتها العشب ومهد في الركن مهمل.
“هي أحلام الطفولة… بعضها يكبر… بعضها يولد عليلا أما بعضها الآخر فيموت في المهد” همس صوت خلفه. انتفض ليجد الفتاة تقف وراءه مباشرة. في ذهوله جذبته من يده لتقتاده عبر السلم المتعرج. خيل إليه أنه رأى أطفالا من الأرض يخرجون يغزو الشيب رؤوسهم . بصعوبة ميز الكلمات المحفورة على الباب السميك “أحلام أبدية”… اجتازوا ممرا تتناوب فيه الفصول وقد خط آخره “أحلام عابرة”ّ. من بعيد لمح رجالا ونساء على سفر طويل تحت شمس حارقة. بيدها أشارت “هذا طريق الأحلام البعيدة. درب مضن ربما ابتلع من سلكه”.
في ذهوله سمع هتافات وصراخا و طلقات رصاص، نظر فإذا هي غرفة معزولة مغلقة خمن أنها غرفة الأحلام المحظورة.

أخيرا وقفت أمام غرفة مشيرة “أنا أسكن هنا”. تردد في الدخول لكنها سحبته من يده. كانت غرفة بلا سقف ولا جدران. فقط نافذة معلقة. “من نافذتي كنت أطل على أحلامك كل ليلة” قالت.
إنها النافذه المطلة على شرفته. ركض لينظر لكنه فوجئ بالفراغ. فقط رأى أناسا يقفزون دون مبالاة.
“هي الأحلام المجنونة” .قالت و هي تسحبه ليقفز معها “آن أن تخرج عن درب الأحلام المنسية”.
صرخ: “لااااا ! لاااا ”
انتبه أنه سيقع من على مقعده. لقد قضى ليلته في الشرفة.
تناهي إلى مسمعه صوت ضجيج في الخارج. مركز العرائس مقر عمله السابق المقابل تماما لمنزله يتعرض للهدم بعد قرار إزالته. إحدى الشركات العالمية الكبرى وفي مشروع لتوسيع سلسلتها تنوي إقامة المركز تجاري الضخم “الماجسيان” الذي سيغير وجه المدينة.
فيما الجرافة تتقدم لهدم المبنى لمح فتاة بشعر أحمر مجعد تقف أمامها مباشرة رافضة الأمر الموجه لها بالتراجع يقف بجوارها رجل في زي بهلوان.
دون تفكير وجد نفسه وسط الجمع المحتشد يمسك يدها. ابتسمت قائلة “أرى أنك اقنعت أن كل ما يلزم أحلام مجنونة ”
“نعم و أرض صلبة” أضاف وهو يبتسم للبهلوان الذي كان يفتح متجر “الأحلام البعيدة” بعدما غير اللافته ب “متجر الأحلام الصلبة”.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق