المرأةثقافةكاتب وكتاب

“شقاوة الألوان” لنجيبة بوغندة: أيّ شقاوة للألوان في أقصوصة “شقاوة الألوان”؟

ميديا بلوس-تونس-أقصوصة شقاوة الألوان وردت في ثنايا المجموعة القصصية سأكتفي بك حلما ولعلّها ومنذ عنوانها تبدي تأثيرا في تشكيل بعض ملامح الغلاف الخارجيّ للكتاب فالألوان تعدّدت في هذا الغلاف وتنوّعت بين أخضر بتدرّجاته العديدة وأزرق فبنيّ ببعض تدرّجاته ثمّ اللّون الأصفر وقد نجد الرّماديّ الذي ينحو نحو السّواد ولعلّ هذه الألوان برمزيتها وعمقها هي التي حضرت حضورا نافذا في أقصوصة شقاوة الألوان فاللّون البنيّ هو لون التّراب واللّون الأخضر هو لون العشب والأشجار قدّت قدا جميلا من تزاوج هذين اللونين أما اللون الأصفر فهو لون حقول القمح الذهبية التي نضجت وحان وقت حصادها أو لون الرمال ويبقى اللون الأزرق لون البحر بصفائه وامتداده كلّ هذه الألوان وجدناها تحضر حضوراجميلا في أقصوصة شقاوة الألوان لتدلّ على المكان وتحدّد ملامحه وخصائصه وعلاقة السّارد به فالصبيّ الشّقيّ ابن المدينة كان لا يجد سعادته أو يصنعها إلا في الرّيف هناك حيث تتنوّع الأمكنة وبتنوّعها تتغيّر الألوان فقد يتنقل بين أرجاء غابة خضراء وقد ينبهر بتناسق أشجارها ومهارة طيورها في نسج أعشاشها التي تأخذ اللون الأصفر لون القشّ أو اللّون الأخضر لون العشب أو اللّون البنيّ لون الأرض أوهو يؤوب حقول القمح مع جده فيستمتع بمرأى السنابل الذهبية ويرنو إلى أسراب الطيور المتدفّقة ويدقق النظر في النقوش والزّخارف الّتي ينحتها المحراث في الأرض فيراها زربيّة متقنة النسج محكمة الصنع فسيفسائية الألوان بمختلف التدرجات اللونية للون الأرض البني والصبيّ يجد في هذه الأمكنة سعادة لجمالها الطبيعيّ ولإحساسه بالألفة وهو محاط بمن يحبهم ويؤثرونه على أنفسهم كجده وأبناء عمه وهذه السعادة أيضا قد يجدها الصبي وهو يزور البحر وأقاربه كمصطافين فيستمتع برماله الصفراء وموجه الأزرق وهكذا فالألوان تتنوع بتنوع الأطر المكانية التي يجمعها اطار واحد وهو الريف وبه يستجير الصبي ليصنع بعض سعادة غامرة تعلق بذهنه فيلعق ذكرياتها بعد حين عندما يعود إلى المدينة تلك التي يغلب عليها اللّون الأسود بطابعه التشاؤميّ ولا ندري لماذا ألبست المدينة هذه الحلّة السّوداء هل لكثرة الدّخان الّذي تنفثه مصانعها وسيارتها أم لتراكم أبنيتها وانسداد أفقها و أفول الشمس فيها

وكما المكان ينخرط الزّمان في هذه الأقصوصة في لعبة الألوان فالرّبيع فتى الفصول كان شاهدا على بعض عناصر الحكاية بخضرته المتدفقة والصّيف سيد الفصول أضفى تفاؤلا وبشرا بلونه الأصفر المبثوث هنا وهناك بين صفرة الرمال العسجدية في البحر وإشراقة السنابل الذهبية في الحقول أما الخريف الرمادي فهو زمن انتهاء اللهو والعودة إلى المدينة فهو الزمن الكئيب ليعقبه شتاء فيه تباشير عودة إلى الاخضرار وما يوحي به هذا اللون من تفاؤل بربيع قادم يعقبه صيف رائع على الأبواب وكذلك الزّمن الماضي كان زمن الألوان المشرقة ففيه عرف السّارد السّعادة الغامرة أمّا الحاضر فهو ذلك الكئيب الرّماديّ الّذي أفلت فيه الفرحة بأفول صنّاعها وبتشوّه الأماكن الّتي كانت تحتويها

هكذا كانت الألوان في هذه الأقصوصة متلاعبة شقيّة تتنوّع وتتغيّر وتتدافع أو تتزاحم وقد تتعاقب لتبرع في تشخيص المكان والزمان ولتبرز علاقتهما بالشّخوص ولتستبطن أثناء ذلك نفسيّات هذه الشّخوص وما يتعاقب عليها من مشاعر وأحاسيس بتعاقب الأمكنة والأزمنة

نجاة الوسلاتي

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق