ثقافةفوائد لغويّة

الألف الخنجرية والألف اللينة وتغيّر المعنى…

ميديا بلوس-تونس-عقّب صديق لي، وهو أستاذ متخصص في العربية، ومتمكن منها على الموضوع الذي نشرته قبل ثلاثة أيام حول الألف الخنجرية بسؤال يقول فيه: “لقد قلتَ: “إذا وردت (الصاحب) بالألف الليّنة، كما في قوله تعالى:(وَالصَّاحِبِ بالْجَنبِ) النساء: 36، فقد أفادت أنّ هذا الصاحب ليس على ديننا، ولكن أمرنا تعالى بالإحسان إليه حتى ولو كان على دين آخر أو على معتقد مغاير لنا، فماذا عن قوله: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) التوبة: 40؟، وقد تكرر هذا السؤال من أكثر من صديق، ومنهم من نفى أن يكون للرسم العثماني للقرآن أيّ معنًى، فأجيب الجميع بعد التوكل على الله، وأقول: أذكر في البداية تمام ما قلته لتتضح الفكرة التي طرحها الأستاذ السائل حيث قلت: تأتي الألف الخنجرية لمعنى تفيد التجانس بين طرفين أو أكثر، كما في قوله تعالى: (يا صٰحبي السجن أ أرباب متفرقون خير أم الله الوٰحد القهار) يوسف: 39. ففي هذه الآية جاءت الألف الخنجرية في (صٰحبي) لتدلّ على أنّ الصاحبين على دين واحد، وهو دين يوسف، وقيل: لو جاءت بالألف اللينة “صاحبي”، لكان المعنى أنّهما ليسا على دينه ولا منسجمان معه فكريًا… وعندما حذفت وجاءت الألف الخنجرية دلّت على أنّ الصاحبين كانا على دين واحد، وهو دين يوسف”. أمّا بخصوص السؤال عن قوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، ومجيء “صاحبه” بالألف الليّنة، فأقول: إنّها وردت في الرسم العثماني للقرآن بالألف الخنجريّة، فقال تعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ…) براءة: 40، وطلبت من الأستاذ السائل أن يراجعها في القرآن المطبوع أو المحمّل على النقّال، لكنّه عاد إلى الآيات المطبوعة في المقالات ومواقع الحاسوب وكتب التفاسير، فوجدها بالألف الليّنة، وهذا صحيح لسهولة كتابتها، وصعوبة كتابة الألف الخنجرية، أو ربّما يكون المشرف على الطباعة يجهل معانيها، فيميل إلى كتابة الأسهل، وهو الألف الليّنة، وأغلب التفاسير طبعت بالمطابع التي ليس فيها الألف الخنجرية، أو لميلهم إلى السهل البسيط في الطباعة، ولذلك نجد “الرحمن” كتبت بعد حذف الألف الليّنة من دون الألف الخنجرية، لمعرفتها لدى الجميع ومن كثرة تكرارها، وهذا مخالف لقواعد الرسم العثماني. وأمّا (صاحب) فكتب بالألف اللينة لأنّ الألف ليست موجودة في المطابع باستثناء المطابع المتخصصة بطباعة القرآن بالخط العثماني، وإذا حذفوها فسيلتبس الأمر فيها، لذلك مالوا إلى كتابتها بالألف اللينة. ولو دققنا في قوله تعالى: (إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِ) لوجدناها بألف خنجرية، لأنّ الصاحب هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي سارع في تصديق الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومن الأوائل الذين اتبعوه وتمسكوا بدينه. وأمّا الآية في سورة الكهف: ( قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلٗا ) الآية: 37 فقد وردت (صاحبه) في الخط العثماني بالألف الليّنة، لأنّ الصاحبين هنا ليسا على دين واحد ولا منسجمان فكريا، فواحد منهم مؤمن والثاني كافر. ورأيت كثيرًا من الناس لا يميزون بين الصاحب في اللغة والصاحب في الاصطلاح الشرعي فيخلطون بين هذا وذاك ويقيسون قياسات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، فيسيئون إلى صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالصاحب في اللغة هو من صاحب أي عاشر، أو رافق، أو جالس، أو انقاد، أو شايع. والصاحب هو من حَصَلَ لَهُ رُؤْيَةٌ وَمُجَالَسَةٌ مع شخص معيّن، وهو المعاشر أو المنقاد أو المجالس، أو المشايع، أو المرافق، أو القائم على الشيء، أو الحافظ له، وله جوه أو صور، فقد تكون بين مؤمن ومؤمن، وقد تكون بين اثنين مختلفين بالاعتقاد، وقد تكون بين رفيقي سفر، وقد تكون بين تابع ومتبوع، وبين مؤمن وكافر… أمّا الصاحب في الاصطلاح: فهو كلّ من حَصَلَت لَهُ رُؤْيَةٌ وَمُجَالَسَةٌ للنّبي محمّد صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم وكان مؤمنا به، ومات على الإسلام. والله أعلم

د. حمدي المارد

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق