ثقافة

” كنتَ رائعا وكنتُ مثيرة للشفقة”| نور سحنون.

ميديا بلوس-تونس-ضمن ركن “شباب الميديا ننشر اليوم ما خطّته أنامل التلميذة نور سحنون، تشجيعا وانتصارا للحرف:

“Tu étais formidable, J’étais fort minable ”
” كنتَ رائعا وكنتُ مثيرة للشفقة”
________________

لا أحد هنا، تبيّن لي ذلك حينما ولجت المنزل ووجدته غارقا في الظّلمة.
اتّجهت إلى المطبخ، وأفرغت نصف قارورة الماء في فمي. ثم اكتشفت أنّني طالما تلقّيت الأوامر والآداب ومن ضمنها أن أشرب في كأس…
سكبت القليل من الماء في كأس وشربته ثم وضعته جانب مواعين متسخة لم أقو على غسلها…
متعبة، أظنّني متعبة. ولا يوجد اكثر من التّعب الذي تستمدّه من مشاهد يومك، المشاهد التّي يفترض أنها حيّة ولكنها تموت داخلك
متعبة، ربما من مشاهدة التفاصيل عينها كل لحظة
من الفراغ نفسه والنّدم نفسه والوجع نفسه
متعبة، من حياة عبارة عن يوم واحد يتكرّر إلى ما لا نهاية…

دخلت غرفتي وأغلقتها بإحكام، أعلم أن لا أحد في المنزل. لكنّني أغلقتها لخوفي من الأطياف التي تتبعني وتدخل من ثقب الباب، الأطياف التي كانت عبارة عن أصوات، كلمات، أحكام ونعوت يطلقها عليّ البشر دون الوعي بشيء…
لطالما كان حلم الإنسان أن يصل إلى الألوهيّة و يطلق الاحكام و يعاقب ويجازي ويحرّم و يحلّل وقد نجح الإنسان في هذا اكثر من الإله نفسه شيء مقزّز.

طردت الأفكار الحمقاء التي أعلم أنها ستعود في وقت ما.
وشغّلت أغنية بصوت عالٍ كي لا أسمع غيرها
ظلّت كلماتها الفرنسيّة تمر أمامي جيئة و ذهابا و لكنّ كلمات معيّنة استوقفتني. وولجتني من كل مكان إلى أعمق عمقٍ في جرحي.
الجرح الذي نزف دموعا واستنزفني، جرح مرّ عليه الزمان حتى مات وقتلني.
قالها المغنّي ثانية وما زالت تضغط على جرحي وتستوقفني
” Tu étais formidable, j’étais fort minable”
تذكرت حينها حقا كم كنتَ رائعًا وكم كنتُ مثيرة للشفقة…
سنوات مرّت بدونك، ورغم غيابك إلا أنّك أكثر الناس حضوراً، فيَّ…
تبدأ السنة بالنسبة لي من التاريخ الذي عرفتك فيه وأعيادي لم تعد كسائر الاعياد. فأحتفل بالعيد الأول لقولك أحبك وأحتفل بيوم مولدك.
و أرثيك في يوم فراقنا…
كنتَ رائعا، تحدثني وتحكي لي قصصا وتغنّي لي وتضحكني وتنتشلني من البكاء والتّعب.
كنت تفعل الكثير دون انتظار مقابل لذلك.
رغم أنني أعرفك لدرجة أعلم فيها أنك لم تكن لتفعل هذا مع أحد غيري.
وكنت انا مثيرة للشفقة لدرجة البؤس، لدرجة انسداد حلقي وعدم قدرتي على الحديث، لدرجة الانهيار والبكاء وتكسير كل جماد ليس له دخل بي.

لم تغب أحلامنا لحظة عنّي، لطالما حلمنا ورسمنا الكثير من الرسوم التي نقبع في مركزها ممسكا يدي، متوسّدا حضني.
المنزل الصغير، الجرو، مشغّل الاغاني، الرّقصات التي سنرقصها والأغنيات التي سنغّنيها… كلّها تلاشت واستقرّت هنا.
بدماغي اللعينة التي لا تنفك تعذّبني وترفض قتلي.
كل ما طلبته رصاصة رحمة تستقر في وسط رأسي وينتهي كل شيء، دعوت الله كثيرا، كان لا بدّ أنّه سيستمع لبعض همساتي. يكفيه أن يستمع للقليل ويفهم.
انتظرته كثيرا، لكنني أدركت أنّه يجب عليّ تلبية حاجتي بنفسي دون تدخّل الإله أو البشر…

نسيت أن أخبرك، انّي ألقيت ابني الرضّيع من الشّرفة
مات. ولا أعرف أين زوجي.
لم أكن أما جيّدة، تعلم كم كرهت الأطفال وكم كانت رغبتي في عدم إنجابهم شديدة.
لذلك أنا هنا اليوم وسط الكثير من الناس في مكان مغلق بإحكام.
يسمّوننا مجانين
وأنا المجنونة رقم 2897.
لا أعلم إذا كان كلّ هذا حقيقيّا.
أقصد الورقة وما أكتبه
لأنه يمنع علينا استعمال الاوراق والأقلام وكل شيء…
ربّما هذه الرسالة لا وجود لها اإاّ في عقلي.
ربما لا وجود للمنزل والغرفة وابني.
ربما لا وجود لك أنت الآخر.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق