ثقافةمقالات رأي

مقارنة «شرعنة العنف» بين بريطانيا والعراق.

ميديا بلوس-تونس-«شرعنة العنف»، كان هو التعليق الأهم الذي أستخدم لوصف تبادل الاتهامات، بلغة لا تليق، بين نواب مجلس العموم البريطاني، في الأسبوع الماضي. كان الاجتماع الذي تراشق فيه النواب، والوزراء وعلى رأسهم رئيس الوزراء، مفردات، لم تستخدم، سابقا، هو الاول للمجلس بعد ان قضت المحكمة العليا، في بريطانيا، بعدم قانونية قرار رئيس الوزراء بوريس جونسون، بتعليق عمل البرلمان لمدة خمسة أسابيع. من بين المفردات التي تم التلفظ بها، وأعتبرت سابقة في تاريخ المجلس، « خيانة» و«متعاونين» و«الاستسلام» و«هراء»، عبر فيها رئيس الوزراء عن موقفه ازاء اعضاء البرلمان الآخرين، وخاصة ضد أعضاء تحدثوا عن مخاوفهم من تهديدات تلقوها بأشكال متعددة. دفع احتدام النقاش واسلوب الشجار حول «البريكست»، جون بيركو رئيس مجلس العموم الى القول في اليوم التالي أنّ الجدال حول البريكست قد هبط إلى مستوى متدنٍ لم يشهد له مثيلا طوال وجوده في البرلمان.
شهدت بريطانيا، في الثلاث سنوات الأخيرة، استقطابا سياسيا، وصل الى مرحلة العنف حتى بين افراد العائلة الواحدة، وهو حدث نادر في تاريخها المعاصر. يدفعنا هذا التصاعد الحاد في مشاعر البريطانيين تجاه قضية واحدة لا غير هي البريكست، والانقسام الشعبي ووصوله مرحلة التهديد والعنف الجسدي، خلال فترة زمنية قصيرة هي ثلاث سنوات فقط، الى النظر في الوضع العراقي، خاصة من نواحي التحريض على الانقسام وإثارة الكراهية، في الخطاب السياسي للنخبة، المفترض فيها تمثيل الشعب، ومدى نجاح التحريض في إشعال حرائق الفتنة وتجييرها لصالح هذا الحزب او ذاك.
علينا الاقرار بأن التحريض الدعائي / الطائفي/ العرقي المؤسس لتركيبة الأحزاب الحالية، يشهد نجاحا في تجييش العواطف الفجة المرتبطة بالطائفة والدين والعرق، من خلال شعبوية الخطاب، وتحويله الى تجارة يتم التعامل فيها مع المواطن باعتباره مستهلكا لبضاعة الحماية من كراهية «الآخر». وفق هذا المنظور، يوفر الحزب السياسي المهيمن على ثروة البلد، الحماية والعمل وسبل العيش للمواطن الذي ينتمي الى طائفته او دينه او قوميته، تأسيسا لقاعدته الشعبية وضمانا لرضوخ المواطن لإرادة قيادة الحزب. أحد العوامل الرئيسية في تسهيل نجاح الهيمنة الحزبية، خاصة اذا ماتوفر لها «التعاون» الخارجي، كون العراق بلدا ريعيا يعتمد في ميزانيته على النفط. فمن الذي يجرؤ على انتقاد حزب ساعد على منحه راتبا لقاء وظيفة وهمية، أو تعيينه وأقاربه في وظائف على حساب غيره، أو منحه منصبا يعرف جيدا انه لايستحقه من ناحية الكفاءة، ناهيك عن الأخلاق؟

التحريض الدعائي / الطائفي/ العرقي المؤسس لتركيبة الأحزاب الحالية، يشهد نجاحا في تجييش العواطف الفجة المرتبطة بالطائفة والدين والعرق، من خلال شعبوية الخطاب، وتحويله الى تجارة يتم التعامل فيها مع المواطن باعتباره مستهلكا لبضاعة الحماية من كراهية «الآخر»

أثبتت سياسة حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ 16 عاما، ان خلق ونشر الكراهية ضرورة، لا يمكن الاستغناء عنها، بالنسبة الى السياسي حين يدرك عدم قدرته على تمثيل عموم الجماهير، وشكلت الرطانة السياسية – الطائفية جزءا لا يتجزأ من سيرورة التطويع والترويع والابتزاز لإنجاح الاستقطاب المفتت للبنية الاجتماعية، كطريقة للفوز على خصومه، وهي بالتأكيد الطريقة الامثل لخلق أجواء عنف تتيح له الوقوف، ضاربا بقبضة يده على صدره، دلالة تحقيق النصر. ويمثل نوري المالكي، الامين العام لحزب الدعوة الشيعي، حاليا، ورئيس الوزراء لدورتين سابقتين، نموذجا يستحق ان يوضع بجانب اهم مجرمي الحرب في العالم، لما زرعه من إرهاب نتيجة لغة التحريض التي مارسها، معتمدا على الشعارات التي أطلقها وحزبه لشحن وتأجيج العواطف. وكلها مصاغة لتعكس احساسه العميق بنقاء طائفته وسردية استحقاقها التاريخي للحكم. حيث ساهم أما شخصيا او من خلال أتباعه، بالنيابة، بطرح مقولات لاستفزاز بقية الشعب، ودفعهم الى الاحساس بهامشيتهم وما يصاحب ذلك، عادة، من الرغبة بالانتقام. كان استخدامه للرطانة الشعبية أداة جعلته يحتل المنصب الاعلى في الدفاع عن طائفته، وبطلا يطمأن مادحيه بانهم باقون في الحكم الى الأبد، وتبا للديمقراطية، ولا خوف عليهم ما دام هو موجودا، مكررا «هو يكدر واحد ياخذها حتى ننطيها»، أي هل هناك من يجرؤ على أخذ الحكم منا لكي نتخلى عنه، مؤكدا بأنه «شيعي» قبل أن يكون عراقيا، وداعيا الى تنفيذ احكام الاعدام، مباشرة، في الساحات، حال القاء القبض على «الإرهابيين». ومهددا باندلاع حرب أهلية في حال يتم «التلاعب بنتائج الانتخابات»، أي عدم فوز حزبه.
ولكن، أين الشعب العراقي في هذه الفوضى التي تنخر البلد نخرا؟ ليس بالامكان القبول بالجواب المغري، المتداول، حاليا، حتى بين المثقفين والسياسيين اليساريين، وهو لوم «الشعب المتخلف». وهو لوم يخفي، في أعماقه، الاحساس بالاحباط والغضب وفي نفس الوقت، تمنح اللائم أو موجه الاتهام، فرصة الوقوف على منصة أخلاقية أعلى من بقية الشعب، وتمكينه من الاستحواذ على صك عدم المسؤولية. لقد مرت أجيال من الشعب العراقي، بحروب لا يعفى من مسؤوليتها أحد، سواء من القوى العالمية اللاهثة خلف الثروات أو حماقات الحكام واستعدادهم لارتكاب الجرائم بشعارات وطنية او قومية. حفرت الحروب وما تلاها من حصار اختزل المواطن الى مستجد للطعام والدواء، جروحا لم تتح لها فرصة الاندمال بل الحفر أعمق مع الغزو وما جلبه من ساسة، يمكن تلخيص كل برامجهم السياسية بكلمة واحدة هي «الانتقام». لم يقتصر استخدام الرطانة السياسية – الطائفية – العرقية على نوري المالكي، ولم تنته بانتهاء فترة حكمه، اذ يكتظ البرلمان، اليوم، بهذا المالكي أو ذاك، حسب ما تجسده هيكيلية «المحاصصة الديمقراطية». فاذا كانت قضية البريكست قد قسمت البرلمان والشعب البريطاني الى مع وضد، خلال ثلاث سنوات، فان نواب البرلمان العراقي المقسم، وفق المحاصصة التي مأسسها المحتل الأمريكي مع نظيره البريطاني، يبنون حضورهم وتأهلهم لـ «تمثيل الشعب» على ادعاءات أحقية تاريخية سحيقة، واحاسيس تختلط فيها المشاعر القومية والدينية، وهي مشاعر لا خلاف حولها، لولا ارتباطها بالمصالح الفردية الفاسدة والمظلومية المزمنة، على حساب الوطن الجامع لكل مواطنيه، والتلاحم المجتمعي الصميم المبني على التزاوج والتاريخ المشترك. ان حالة «شرعنة العنف» التي تتم مناقشتها في بريطانيا كنتيجة لخلاف سياسي عمره ثلاث سنوات، وسط المطالبة باستقالة الحكومة المسؤولة بل وحتى معاقبة رئيس الوزراء، يعيشها العراق بمعنى أوسع وأشمل هو «شرعنة الإرهاب»، ولن تنتهي ما لم يتم التحرر من قبضة الطبقة المسؤولة سواء في الحكومة أو البرلمان.

هيفاء زنكنة

كاتبة من العراق

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق