مقالات رأي

صالح عطية: بعض الروائح السياسية والحزبية والخبث الإعلامي تفوح من المناظرة التلفزية الأولى

ميديا بلوس-تونس كتب الصحفي صالح عطية مقالا بعنوان ملاحظات عامة على “المناظرات” للرئاسية:

من حيث الشكل

ـــ اصطفاف المرشحين جنبا إلى جنب، وكأنهم في حالة إلقاء محاضرات، ضرب في الصميم فكرة المناظرة، التي تقوم على المواجهة بالأساس.
ـــ توزيع المرشحين، تم بطريقة فيها الكثير من الخبث الإعلامي الذي يختلط بالدهاء السياسي: الماكينة لها دورها.. وبعض الروائح السياسية والحزبية، تفوح من العملية..
ـــ المهدي جمعة كان الأكثر أناقة بين الحضور، والأكثر حضورا بين الرؤساء المفترضين..
ـــ لباس الأستاذ عبد الفتاح مورو، كان خطأ، ربما كان عليه أن يرتدي سموكينغ أو بذلة رسمية، لكي يعطي صورة عن لباسه في القصر الرئاسي.
ـــ غاب كرسي نبيل القروي، مثّل “سقطة إعلامية” لا غبار عليها، ما يعني أنّ مؤسسة التلفزة الوطنية، مورطة في تقديرها السياسي، وأظهرت أنها غير محايدة.. فالرجل مرشح رسمي وكان يفترض تخصيص مكان له، عليه صورته وأن تعطى له الكلمة رمزيا لبضع ثوان.. إذا شئنا المساواة في الانتخابات، لكن رياح أخرى عاتية تجري بما لا يشتهيه الناخبون والمشاهدون.
التلفزة مرفق عمومي، وكان لا بد عليها ألا تتورط في هكذا حسابات، فهي تقتات من جيوب المشاهدين وليس من عطاءات رئاسة الحكومة أو غيرها، مع كل الاحترام والتقدير لرئاسة الحكومة..
النقد لا يفسد للودّ قضية..

على مستوى المضمون

ـــ بدت المناظرات كأنها محاورات في ندوة عامة، ففقدت بذلك معيار التناظر، الذي لا يستقيم إلا بوجود حوار ثنائي بين طرفين أو أكثر، وبمواجهة يستبين من خلالها للناخبين، من الأقدر من صاحبه، ومن يقنع أكثر، ومن له القدرة على جلب الأنظار، ومن يمكن أن يكون الأصلح بالنسبة للناخب التونسي، أو حتى للمشاهدين في عواصم عربية أخرى..
خرج الجميع متساوون في الفرصة، متساوون في التوقيت، متساوون في أفق الأجوبة، التي لم تبتعد كثيرا بعضها عن بعض، كأنهم في امتحان شفاهي، كل واحد أدلى بإجابته في انتظار لجنة التحكيم التي لن تأتي في هذه الحالة.
ـــ دخل الجميع ناد للتعبير الذاتي، وخرجوا منه بعد أن أفرغوا شكوتهم، بتفاوت يعود إلى طبيعة الشخصيات وتجربتها، وليس إلى المناظرة في حدّ ذاتها.
ـــ المنصف المرزوقي بدا أكثر دهاء في الخطاب، من خلال مزاوجته بين ما يرغب أن يفعل، وما كان قد فعل وهو رئيس بين 2011 و 2014، ليذكّر التونسيين بكونه كان رئيسا سابقا، وهي الصفة التي قد تمنحه تقدّما عن منافسيه، باعتبار أنّ الناخب يبحث عن الآمان.
ـــ وهذا ما فعله المهدي جمعة، الذي كان يتحدث عن “الأمور العملية”، وعن فترة رئاسته للحكومة.
غير أنّ هذه الميزة، يمكن أن تسقط الطرفين معا، إذا ما كان الناخب يبحث عن الجديد، وليس تكرار التجارب القديمة.
ـــ بعض المداخلات، بدت كأنها محاضرات في الكوليج دو فرانس، فلا هي تهم الناخبين ولا هي تتصل بصلاحيات رئيس الجمهورية، ولا هي تطرح ما يمكن فعله، بقدر ما تطرح ما يرغب البعض في فعله (لن نذكر أسماء حتى لا نحرج بعض المرشحين)..
ـــ تشتت المحاورة (وليست المناظرة) بين الأسئلة التائهة، والمكثفة بلا بوصلة، ففي كثير من الأحيان يطرح على المرشح “أ” سؤالا عن الهجرة غير الشرعية، فيما تطرح على المرشح “ب” بعده مباشرة، سؤال عن الأمن القومي، بحيث حصل نوع من التشتت والتذرر لدى المشاهدين، فلم يكن ثمّة خيط ناظم بين الأسئلة حتى داخل المحور الواحد..
ـــ رغم أنّ صلاحيات رئيس الجمهورية، تتصل بالأمن القومي والسياسة الخارجية والدفاع، إلا أنّ إدارة الحوار (ولا نحمّل هنا المسؤولية للزميلين، إلياس وأسماء)، كانت اتجهت منحى مساءلة المرشحين عن السياسة الداخلية والخارجية والدفاع والاقتصاد والمرأة والتعليم وغير ذلك، كما لو أنّ المناظرة اختبار للمرشحين، وليست تمحيصا لمقاربتهم، وهو ما أسقط الكثيرين منهم فيما كانوا قالوه في حوارات تلفزيونية سابقة.
ـــ هناك خلط واضح وفاضح، بين مهام رئيس الجمهورية، ومهام رئيس الحكومة، إلى درجة أنّ بعض المشاهدين، كانوا يتساءلون: هل نحن أمام حوار للانتخابات الرئاسية أم للانتخابات البرلمانية..
ـــ لو يجمع المرء التوقيت الذي قرئت فيه الأسئلة على المرشحين، لاتضح أنّه غير بعيد عن التوقيت المخصص للمرشحين، فكثافة الأسئلة (أكثر من 50 سؤالا)، طرحت على المرشحين، في نوع من “الإسهال الاستفهامي”، كان بالإمكان اختزاله إلى بضع أسئلة، ويترك للمرشحين دينامية الأجوبة، لأنّ في هذه الدينامية، حياة خاصة للمناظرة، كما يفترض أن تكون.

خاتمة:

في النهاية، خرج المشاهدون / الناخبون بانطباع أساسي، وهو أنهم صرفوا ساعة ونصف الساعة أو أكثر، دون أن يساعدهم ذلك على الاختيار، بل إنّ ذلك زادهم حيرة.. اللهم إلا إذا كانت هذه الحيرة مقصودة لفسح المجال لمرشحين آخرين للبروز خلال اليومين التاليين، وبخاصة خلال اليوم الثالث تحديدا (والفاهم يفهم)..

في العموم، تجربة أولى غير مشجعة، رغم ما سبقها من بهرج إعلامي ضخم، وحريّ بإدارة التلفزة، ومن يساعدها في الخفاء على ذلك، أن يغيّروا من طبيعة هذه المناظرات، أما أن يكون اليوم الثاني والثالث مثل اليوم الأول، فهذا معناه، الإصرار على الفساد، فساد النفقات والتوقيت والفرصة الضائعة على المرشحين.

هذه ملاحظات أولية على أول مناظرات لم تكن في حجم التطلعات المهنية، وذلك ناتج عن فلسفة الإقصاء الذي مورس على بعض الصحفيين ممن كان يمكن أن يساهموا في تصور أكثر سلاسة لهذه المناظرات، لكنّ المنظمين تعاملوا مع هذا الحدث بمنطق “الولاءات” والصداقات و”الغرف المغلقة”.. ونتيجة ذلك، هذا الفشل الذريع، مهنيا وحتى سياسيا..

صالح عطية / مدير موقع “الرأي الجديد”

اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق