ثقافة

“محمد المُر… والساحر صانع الأعاجيب”/ بقلم مصطفى عبدالله.

ميديا بلوس-تونس-بين يدي الآن مجلدات الأعمال القصصية الكاملة للكاتب محمد المر التي صدرت في بيروت عن “دار العودة”، ويضم الجزء الأول منها مجموعات: “حب من نوع آخر”، “الفرصة الأخيرة”، “صداقة”، و”شيء من الحنان”.
ويهدي المُر مجلده الأول إلى جميع الأصدقاء والأحباب، وهو إهداء دال على طبيعة شخصيته التي تتسع لكل الناس على تفاوت أمزجتهم وأذواقهم.
ومحمد المُر يتمتع بنزعة إنسانية واضحة، ونزعة إلى التعاطف مع حالات البؤس الاجتماعي، وهو يمتاز بقدرة على الاقتراب من الشخصيات التي يختارها في قصصه، ولديه قدرة على تصوير الطبائع البشرية التي تبدو متناقضة كما في قصة “صداقة” التي تضمم شخصيتين من بنات وطنه تمثلان طرفي النقيض بين الأبيض والأسود في السلوك والأخلاق… في الطيبة والقوة والتسامح والانتقام والهدوء والعنف.
فلدينا “شمسة” التي تعد أنموذجًا للفتاة الهادئة الطيبة، وصديقتها “علياء” الوجه الآخر التي تميل إلى الثرثرة والاستفزاز والهجوم على الآخرين وإبداء الرأي فيهم بطريقة ربما تكون جارحة، ولا يعنيها رأي الناس فيها.
“شمسة” كثيرًا ما كانت تضيق بصديقتها “علياء” الثرثارة التي تكون على استعداد لتبديد ساعتين منوقتها في الثرثرة عبر الهاتف، فتنزعج “شمسة” من طول المكالمات ومن حدة آراء صديقتها، وكثيرًا ما فكرت في البعد عنها، ولكنها كانت تعدل عن رأيها نظرًا لأنهما صديقتان منذ الطفولة.
ووفقًا لما كان سائدًا في مجتمعها، تُحرم الفتاة من التعليم بمجرد بلوغها مبلغ النساء، لتستعد للزواج. والغريب أن “شمسة” و”علياء” تزوجتا من شابين أخوين يعملان في تجارة احتياجات السفن من أخشاب وحبال وأدوات صيد، وكان محلهما بجوار “الخور” وكان الشابان يتقاسمان ما يدره العمل عليهما بشكل عادل. وكان “خليفة”، أحد الزوجين، ما أن يعود إلى منزله حتى يصيح على زوجته شاتمًا ويعتدي عليها أحيانًا بالضرب. أما “سالم” الذي تزوج “علياء” فكان على العكس، يدخل إلى بيته متلصصًا لأنه يحاول أن يتلاشى لعنات زوجته سليطة اللسان.
وتمضي القصة في التذكير بأن الابن يرث صفات أهله.
وفي قصة “الضربة” التي يحدد المؤلف تاريخ وقائعها بالعام 1958 يحكي “المُر” عن “علي الحجي”، وهو رجل ضرير من “فريج عيال ناصر”.. تحولت حياته من سأم ونفور وملل إلى بهجة وسعادة بعد أن أهداه ابن أخيه، القادم من الكويت، جهاز راديو يستمع إليه؛ فكان الراديو بالنسبة إليه بمثابة الساحر صانع الأعاجيب الذي يستمع من خلاله إلى العالم؛ الموسيقى والأخبار والقرآن بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل الذي أحب صوته. وكان الراديو يمثل له نقلة حضارية، وكان يقلب موجاته ويدير المؤشر إلى إذاعة الكويت فيستمع إلى الأخبار والأغاني والبرامج والقرآن، وهو في حالة ذهول ودهشة وإعجاب. وأحس أن الحياة لا تستحق الكآبة التي كان يعيشها قبل أن يصله هذا الساحر.
وفي قصة “يأتي الموت وتأتي الحياة” نتعرف على “أشوك مهتا” الذي ركب على ظهر جمل لأول مرة في حياته مسافرًا من “دبي” إلى “أبي ظبي”، وكان الجمل هو الوسيلة الوحيدة للانتقال في ذلك الزمن. وطلب من يقود الجمل خمس روبيات منه مقابل هذه الرحلة، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، ولكن “أشوك” قَبِل أن يدفع على مضض، وقال له أحد أقارب جاره الذي وصل حديثًا إلى “دبي” من مدينة “بومباي” إن رجلين أتيا من قريته الأصلية يبحثان عنه فاضطرب لأنه في نظر الناس متهم بالقتل، فـ”أشوك”، صاحب البدن القوي، كان يمزح مع أحد الشباب فضغط على عنقه بلطف فإذا بالشاب يموت، فهرب من البلاد خوفًا من تخيل الناس أنه قاتل، وذهب إلى “بومباي” واشترى بما يملكه تذكرة للسفر على متن باخرة وكان ينوي الذهاب إلى شرق إفريقيا ولكن حظه أخذه إلى “دبي” ولذلك قرر أن يتوجه إلى “أبو ظبي” هربًا من الذين كانوا يسألون عنه في “دبي”. وحينما بدأت الرحلة وسار الجمل بمحاذاة الشاطئ والبدوي يقود الجمل وينظر بين حين وآخر إلى “أشوك” ويهز رأسه ويبتسم حتى وصل الركب إلى تجمع سكاني في “أم سقيم” فتوقفا للاستراحة، ثم تابعا المسير إلى أن وصلا إلى منطقة تدعى “خور غناضة”. حينها نزل “أشوك” من على ظهر الجمل، فهجم عليه البدوي وقيده بالحبل الذي كان يربطه حول بطنه، ولم يستطع “أشوك” المقاومة” حينما أخرج البدوي سكينه الطويلة وحاول أن يُخرج نصلها ففشل وحاول مرة أخرى ففشل وتصبب عرقًا واختفت منه الابتسامة، وفي المرة الأخيرة سحب النصل بكل قوته فخرج بقوة، ومر به على عنق البدوي فحزه من الأذن اليسرى إلى اليمنى فسقط وهو ينتفض وسالت دماؤه.
الغريب في الأمر أن “أشوك” ظل مقيدًا بحبال البدوي لا يستطيع أن يفك قيوده والبدوي مضرج بدمائه أمامه.
وتأتي المصادفة فنجد أن الرجل الذي يدعى “خليفة يالم” وأبناءه الثلاثة الذين كانوا عائدين من “أبو ظبي” إلى “دبي” في قاربهم القديم الذي أرادوا بيعه فلم يجدوا مشتريًا له، فانتظروا لتناول الطعام وحاول “حسن” الابن الأصغر أن يصطاد بعض السمك للغداء فلم ينجح مع أن المنطقة “محدق” أي كثيرة السمك والأغرب أنهم عندما اقتربوا من “خور غناضة” قفزت سمكة “جنعد” كبيرة إلى قاربهم فسرتهم المصادفة ونزلوا إلى الشاطئ لجمع قطع من الحطب كي يشووا السمكة الضيفة، وهناك شاهدوا “أشوك” في قيده والبدوي قتيلًا، فحملوا “أشوك” المذهول، هو والحطب إلى القارب، لكن بسمكة “الجنعد” تقفز من القارب وتغوص في أعماق الماء!
الملاحظ أن أهم ما يميز سرد محمد المُر أنه يعرض أفكاره بأسلوب حكائي يقترب من الرواة الشفاهيين، كما أنه يستطيع أن يقطر اللحظة ويستولد منها أخص ما فيها من مُرِ التجربة أو حلو اللذة.
وهو بلا شك يمتلك موهبة وقدرة على الكتابة القصصية الممتعة، وعلى فهم طبيعة القصة القصيرة التي تميل إلى تركيز اللحظة وتكثيف الأحداث لتكون في النهاية طلقة تطلقها بندقية مرة واحدة فتصيب الموضوع الذي يشغله.
ومن المؤكد أن أسلوبه يمتاز بسلاسة العرض ووضوح القصد، وهو لا يغرق نفسه في تعقيدات أسلوبية، أو غموض تعبيري مصطنع.

 

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق