إصدارات جديدةثقافةكاتب وكتاب

ثنائيّة الخير والشّرّ في رواية “عبد الباسط زخنيني” “الأبيض والأسود”/ بقلم هشام خلف الله.

ميديا بلوس-تونس-قراءة في العنوان”الأبيض و الأسود” حيث أنه مركب اسميّ بالعطف جمعت “الواو” فيه على عادتها بين اسمين تساويا في التّعريف والترتيب وإن تقدم أحدهما على الآخر إذ إنّ واو العطف تجمع دون ترتيب.
ولعلّ عدم الترتيب هنا لغاية مقصودة إذ لا أفضليّة بين اللّونين: فمنّا من يفضّل أحدهما ومنّا من يؤثر الآخر…
إلاّ أنّ هذه التسمية قد تخرج عن مقتضى ظاهرها فتتعدّى مجرّد التّعبير عن اللّون إلى معانِيَ أعمقَ بعد اطّلاعنا على مضمون الرواية… وإلاّ فلِمَ اختار الراوي هذا العنوان دون غيره لولا علاقته بما جاء في حكْيِهِ…!
لا يمكننا أن ننكر ما يتطلّبه الكاتب من تركيز لإعمال عقله لغاية حسن اختيار عنوان يناسب نصَّه. إذ أنّ العنوان ليس مجرّد مركّب نحويّ يعمل على إثارة القارئ ولفت نظره… وإنما هو ذاك الكلام المختَزَلُ القليل الذي يحتوي داخله النّصّ بأكملِه.
وعليه لا يمكن لعنوان ما أن يكون بمعزل عمّا يتضمّنه النّصّ و إلا كان نشازا ينأى بنا عن المطلوب ويحيد بنا عن المدلول.
ولمّا آمنّا ببعد كاتبنا المغربيّ “عبد الباسط زخنيني” عن النّشاز بات لِزاما علينا أن نبحث عمّا وصل بين النّصّ وعنوانه.

لطالما أُشير باللونين في الأمثال والحكم الشّعبيّة إلى البون الشّاسع الذي يفصل بين أمرين فنقول مثلا: “ما أبعد الأبيض عن الأسود” أو نقول أيضا: “شتّان بينهما” أو نقول كذلك: “لا يعجز عن التمييز بينهما إلاّ الأعمى”.
ولَطالَما كُنِّيَ بهما مجتمعين عن ثنائيّات عدّة من قبيل : الحلال و الحرام او الصحيح و الخاطئ او الحياة و الموت أو الليل والنهار وقل عموما بين الخير والشرّ…

إذا انطلقنا في دراستنا من تعريف السّارد لشخصيّاته في أوّل روايته ص14 إذ قال “كانوا مجموعة غير متجانسة من الأشخاص بالكاد تعرّفوا على بعضهم البعض وقد تخلّى عنهم الخير بحيث لم تعد أرواحهم تحتفظ الاّ بالشّرّ “… إذا انطلقنا من هذه المقولة تجلّت لنا مدلوليّة العنوان المحيلة على ثنائيّة الخير والشّرّ فلا يمكن الحديث عن أحدهما في غياب الآخر… فالخير خير مقارنةً أخلاقيّةً بالشّرّ والعكس صحيح أيضا… فإذا كانت شخصيّاتنا قد مُلئت شرّا حسب تقديم صانعها لها وحسب تطوّر الأحداث فإنّنا ألفينا الخير فيها عند استبطان السّارد لها وكان ذلك عند إعرابها عن ندم أو استنكارها لموقف معيب بإضمارٍ أو تلميحٍ أو تصريحٍ فيحيلنا ذلك على أنّه لا وجود للشّرّ المطلق في الرّواية الاّ أنّه يمكننا الحديث عن طغيان الشّرّ أو هو توقّف مؤقّت للخير عن الجريان في حيوات تلك الشخصيات… وعليه نجد أنفسنا وجوبا ازاء ثنايّة الخير والشرّ وهذا ما سنبني عليه دراستنا التي ستبحث في تجليات هذه الثنايّة من خلال أحداث أربعة رأيناها ذات بال في التعريف بما هو أبيض وأسود.

ثنائيّة الخير و الشرّ في الرواية:

لعلّ الحدث الصادم الأوّل في الرواية هو تبادل الزوجات بين المهندس والطبيب… فهو الحدث القادح الذي انبنت عليه بقيّة أحداث القصّة كلها.
فالملاحظ أنّ جميع الشّخصيّات المتبقية عاينت الارهاصات الأولى للصّفقة ولكنّهم كانوا يكذّبون ما ذهبت إليه عقولهم من تأويل إلى أن وقع التبادل فعلا بأن اختلى كل منهما بزوجة الآخر.
الظاهر من خلال الحدث أنّ الشرّ قد طغى وعمّ الجميع إذ لم يجرؤ أحد على الإعراب عن رفضه لما يجري لأنّ كل فرد منهم قد امتلأت نفسه بما يعجز معه عن التعبير عن الرفض و لو بالإيماء إلاّ انّهم اتفقوا على أن يرفضوا الأمر إضمارا فكان الخير فيهم ضعيفا لأنّه لم يرْقَ الى التّصريح الذي به يكون صلاح المجتمع و تأسيسه على ما استقام من أسس. إذ لم تقم أسس المجتمعات وتعلو الاّ بعلوّ صوت الحقّ وإخماد صوت الباطل… امّا في هذا النصّ فقد انقلبت الموازين …
فالفتاة الشقراء وحدها من غمغمت مستنكرة بصوت لم يسمعه الاّ الفتى المراهن فقالت واصفة زوجة الطبيب “… ألم أقل لكم أنها ساقطة…” وهنا تطالعنا سخرية القدر الذي جعل الحق يعلو على لسان من امتلأت نفسها شرّا حتّى طال الشّرّ فيها اقدارها على قتل جدّتها لطول مرضها وضيقها بالإشراف على رعايتها… ولمّا كان فعلها ذاك يجهله الحاضرون غدت فيهم واعظة نبيلة الأخلاق…
والجدير بالملاحظة أنّ الطفل هو الآخر صرّح بالاستنكار والرفض للشّرّ الذي يراه فصاح قائلا: “لكنهم يتبادلون زوجاتهم…” ولكنّ الشاحب صاحب البيت عمد إلى إلهائه عن الامر بقصّة الملك العاري وما هي إلا من صنو ما يرى… فتجاوز الأخلاق الاجتماعيّة يبدو واضحا وصارخا ولا يحتاج إلى كبير انتباه أو ذكاء… سواء كان الأمر في قصّة تبادل الزوجات أو في قصّة الملك العاري الذي حاول اقناع رعيّته بأنّه يرتدي ثيابا متميّزة ولا مثيل لها…
ووجب الاّ ننكر رفض جد الطفل لما يجري واستنكاره له فقد ثارت ثائرته بركانا يلقي حمما ولهبا ولكنه بركان لم يكن يسمعه غيره… بينما نسجل غيابا كليّا لرفض الشاحب صاحب البيت وقد انتظرنا أن يكون أوّل المعارضين والمعترضين على تدنيس بيته من طرف ضيوف لا يعرفهم ولم يرُمْ من وراء ايوائهم الا حمايتهم من المطر و الظلام والتوهان في الغابة المخيفة.
فكان حضور الشّرّ صارخا في هذه المرحلة من الرواية بالسّكوت المشترك على هدم معلم أخلاقيّ وأسّ من أسس العلاقة الزوجيّة كما صورتها كل المجتمعات الانسانيّة على اختلاف أجناسها وأديانها.
وعليه فالأخلاق السّمحة هي الخير المقصود في هذا الجانب من الرواية وانعدامها هو ذاك الشر الذي يفيض من الشخصيّات.
ولنا على ذلك مثال اخر تمثل في سلوكين للحفيد مع جدّه . تمثّل الأوّل في الحاقه ضررا جسديّا به عندما اراد اسكاته عنوة عن الضحك فعضّه الى ان دميت راحته فقال السارد واصفا المشهد: “هلع الجدّ. نظر إلى راحته. كانت تنزف. ارتعب الطفل. لم يكن في نيّته أن يسبب كلّ ذاك الأذى لجدّه” ص 51.
والجدير بالذكر هنا أنّ مرحلة الشرّ في هذا الجانب من الرواية تمثّلت في ترك الطفل مدة طويلة دون ردع أو إرغام على الانضباط… ويدخل هذا في باب التربية الاجتماعيّة التي يستقيها الطفل عامة من الأب والجد وكل المحيطين به ممن هم أهل لأن يفعلوا فيه تربيةً وتوجيها… إلا أنّ الظاهر هنا أنّ الجميع باتوا يرون في أنفسهم عدم أهليّتهم لذلك فكلٌّ يرى ما في داخله من شرّ يملأه حدّ الفيضان فيعدل عن تقويم سلوك غيره صدقا أمام نفسه…
ولم يرض الحفيد بهذا العقاب لجدّه ولم تخمد ناره المتأججة في داخله للانتقام من جده فتمادى إلى أن بال له في ماء يشربه… فتتجلّى لنا صورة العقوق الأولى في طفل ضرب عرض الحائط كلّ بهاء جده وطيبته والخير الكامن فيه ليعاقبه مرّتين على مجرّد نهيه له عن فعل غير لائق.
“لم يكن الطفل ينتظر أن يُصفع. همد في مكانه لبضع ثوان قبل أن يعود إلى نفسه ويصرخ…” ص 51
تأمّلت في هذا الوصف فتراقصت في المخيّلة أخيلة لأطفال لهم نفس هذا السلوك المشين… أحبّ الاطفال فهم أحباب الله ورمز البهاء على أرض دنّسها العاقلون… إلاّ أنّني أمقت هذا النوع الذي أراه سبب دنس الأرض في المستقبل… وسبب انعدام الأمان فيها.
وبدا لي هذا الجد اكثر سلبيّة من الأوّل وهو الذي عُوّلَ عليه في أمر تربية الأب ثمّ الحفيد… بدا ضعيفا منهزما قد فقد كل قدرة على التدبير وكل حيلة على الخروج من المازِقِ منتصرا كما عهدنا الأجداد قديما… كانوا إذا حضروا انضبط الجميع خجلا منهم وحياءً… فهكذا انبنت المجتمعات الإنسانية في القديم…
ولعلّ تغيّر موازين القيم هو الذي أشعر الجدّ بعدم قيمته فاعلا أو مربيا ولو لحفيده فانعدم فعله ونأت عنه الرغبة في التربية أو “النّهي عن المنكر” فكان الشّرّ حاضرا بغياب ذاك النّهي وحضر الخير مرّة أخرى من خلال “أضعف الإيمان” وهو الرفض المُضمَرُ.
وهكذا تكبر أخطاء الطفل ثم الفتى فالشابّ فالكهل إلى أن يبلغ الفسادُ الشّيْخَ نفسه… ويكبر الفساد في المجتمع و يسود فيه الشّرُّ ويعلو صوته على الخير فتكثر فيه كل أشكال عدم الالتزام بأخلاقيات المجتمع وتغيب ملامح الحضارة لتبدو خليطا من هنا وهناك لتشكّل في النهاية مظهرا غريبا وشخصيّة أغرب… إذ انّ فساد كل مجتمع يبدأ بتعويد ناشئته على عدم احترام مربّيه… فإذا كان ذلك، أصبح العاملون على نشر الفساد هم القائمون بعمليّة التربية عوضا عن المربّين الشرعيّين… فتسود الجريمة وينعدم الأمن… وفي هذا الإطار نأتي إلى الحدث الثالث الذي من خلاله نستجلي حضور الثنائية موضوع الدراسة وهو قتل الطبيب للمهندس وسط صمت الجميع.
جريمة القتل سبقتها ارهاصات اولى مهّدت لها وكانت كالآتي:
* عملية تبادل الزوجات باعتبارها فاتحة كل الشرور
* ملازمة زوجة الطبيب للمهندس حتى بعد الخروج من الخلوة وتواصل ضحكها الهيستيريّ المثير معه.
* استفزاز المهندس للطبيب قولا وفعلا وصولا الى اتهامه بانعدام رجولته.
* الخصومة والقتل
والملاحظ أنّ الشرّ حاضر في هذه المراحل الأربع إذ غاب فعل الحاضرين أو قولهم لتهدئة المتخاصمين رغم معاينتهم لكلّ تلك المراحل.
فالكل يهتمّ فقط بالبوتقة التي هو فيها… فهو آمن طالما لم يفكّر في ولوج أخرى مجاورة… ولعلّ الشّرّ لم يقف عند انعدام الفعل المساعد على حضور الخير بل تجاوزه إلى عدم الإحساس بالشّرّ أصلا ليتجلّى لنا الجد غائبا ذهنيّا عن مسرح الخصومة وقد أوشكت الجريمة. حتى أنّ حفيده سأله عن مفهوم اتهام المهندس للطبيب “لكنّ الجد لم يكن هناك، كان بعيدا بعيدا جدا جدا جدا” ص 39
وكأنّ الذي يجري أمامه _والجريمة على وشك الوقوع _ لا يهمّه البتّة… وكيف يكون والأحداث خارج بوتقته…!
ولكنّ شخصياتنا كلّها ندمت على سلبيّتها تلك بعد وقوع الجريمة… فالامر دخل بوتقة كل واحد فيهم بعدما أصبحوا مهددين بالمساءلة القانونيّة أو حتّى مجرّد الإدلاء بالأقوال فكلهم شهود عيان للجريمة… وعندها سيُفتضح أمرهم وسيُكشف كلّ مستور كان…
فالفتاة الشقراء قد يفتضَحُ أمر جريمتها بقتلها لجدّتها بل قد تكون في حالة فرار ومطلوبة للعدالة والفتى المراهن كذلك فبعد أن غيّر أقواله في حادث السير القاتل اصبح متهما ومطلوبا للعدالة أيضا… فضلا عن إمكانيّة انكشاف ما كان من أمر تبادل الزوجات واتهام الأزواج بالشذوذ الجنسيّ أو الزنى…
وعليه فإنّ ترك مجال للشّرّ ينبني أساسا على وجود الشّرّ في داخل كل فرد منهم كما ذكر السّارد في أوّل روايته ولكنّهم أبدا لم يستطيعوا نفي الخير عنهم… فالخير كان يطفو فيهم مع كل تبرّم مما يقع أو حتّى مجرّد إضمار لرفضٍ… وعليه تنتفي مقولة الشرّ المطلق لتحضر عوضا عنها مقولة تغليب المصلحة الشخصيّة على نشر الخير مما يستوجب أحيانا السّكوت عن الشّر…
ويزداد حدّ “تغليب المصلحة الشخصية” حين يتعلق الامر بمحو اثار الجريمة لتجاوز المساءلات القانونيّة وغيرها… وأقصد بذلك كيفيّة التخلص من الجثّة… لتطالعنا شخصية الفتاة الشقراء القاتلة لجدّتها بحل صادم وهو الحدث الرابع الذي تقوم عليه دراستنا هذه…
فقد اقترحت شقراؤنا حلا غريبا غرابة جوهرها وما تلاطم فيه من شرور تزاحمت حتى غدت أمواجها بطول الجبال… فقد اقترحت تقطيع الجثة وبيع ما تيسّر من أعضائها…
والملاحظ أنّها لم تتردد في التصريح بذلك ولم يتلعثم لسانها به بل استغربت عدم تحمّس المجموعة لفكرتها فقالت: “نستطيع أن نقطع يديه… ورأسه… إنّ هذه الأشياء تساوي ثروة كاملة…” ص 67.
لن أبحث في مدلول اليدين والرّأس اذ لا بدّ أنّ أبعادهما تتجاوز مدلولهما المعجميّ… إلاّ انّ الثمين عند تجار الأعضاء هو ما كان داخل الجسد وليست أعضاؤه الخارجية تلك التي ذكرتها شقراؤنا…
لاح الخيرمعارضا في هدوء كالعادة معارضا الفتاة قاتلة جدّتها وحضر من خلال ردّة فعل شخصين:
الجدّ الذي “تدلّى فكّه من الدهشة” والحفيد “الذي صعق من الصدمة”
ورغم تأييد المراهن للشقراء تملّقا إلا أنّ الخير انتصر نهاية لتخيب آنسته تلك بعد انعدام تأييد فكرتها من المجموعة فضلا عن تهجم زوجة المهندس عليها ونعتها لها بالرخيصة…
وهكذا بدأت تعلو أصوات الخير وتتعدد بعد فتور وأفول ولكنها كانت أصواتا تعالت لتطول نجاة من مآزق مرتقبة… فتكون المصلحة الشخصيّة حاضرة ليتفق الجميع على دفن الجثّة و طمس معالم الجريمة باخفاء أهمّ دليل عليها: الجثّة.
فتلتف المجموعة متعاونة أفرادها تروم خلاصا مشتركا ذكّرنا خلاصا رامته الحمامة المطوّقة ومن معها…
ولم يكن لهم ذاك الخلاص إلا بظهور النور بعد الظلام فكان الأبيض رمزا للخلاص من كابوس جلبه ليل حالك السواد بانت فيه نوايا سوداء انقلب سوادها بياضا ناصعا فجرا… فانتفى الموت وعادت الحياة وصفت السرائر… إلا ما أبشع الظلمات…

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق