إصدارات جديدةثقافةكاتب وكتاب

قراءة في رواية “الغوييم” للكاتبة إلهام بوصفارة/ بقلم عمر دغرير.

ميديا بلوس-تونس-من قديم الزمان و الناس صنفان مختلفان. ومن منّا لا يعرف أن الرومان قسّموا الناس في تلك الفترة إلى قسمين: رومان و برابرة وأن العرب قسموهم إلى عرب وعجم وكذلك فعل اليهود بالناس وقسموهم إلى أخيار وأغيار أي “غوييم”.
فمن هم الأغيار ؟ وماذا تعني كلمة “غوييم”؟ “غوييم” هي جمع لكلمة (غوي) وهي في قاموس اللغة العربية (القوم أوالشعب) وكانت تطلق على مدينة في كنعان. وقد تم استخدامها للتفريق بين اليهود والشعوب الأخرى. وكل انسان لا يتبع الديانة اليهودية هو من الأغيار أي من “الغوييم”. والمعروف عk اليهود أنهم يعتقدون أنهم شعب الله المختار وأنهم الأخيار. ووحدهم المؤمنون والبقية الباقية من الناس هم “غوييم” أغيار وكفرة. وفي اعتقادهم أيضا أن نفوسهم مخلوقة من نفس الله وعنصرهم من عنصره. كما أنهم وحدهم أبناؤه الأطهار. وهؤلاء “الغوييم” خلقهم الله من طينة شيطانية أو حيوانية نجسة. ولم يخلقهم إلا لخدمة اليهود. ولم يمنحهم الصورة البشرية إلا لأجل اليهود حتى يسهل التعامل بين الطائفتين. صنفان مختلفان من الناس. سادة مختارون وطائفة عبيد محتقرون. سادة يأمرون و عبيد يطبقون الأوامر في صمت. فماذا عن رواية “الغوييم”؟ وما علاقتها بثورة الربيع العربي واليهود؟
تقول الكاتبة إلهام بوصفارة في الإهداء: “لا تتوقعوا مني إهداء لأن العالم لا يهبني إلاّ الهباء” ويقول الله جلّ وعلا في سورة الفرقان: “وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا”. والقصد هنا أعمال الكفار.

والكاتبة وهي تعلم ما يهبه العالم في هذا الزمن من كفر وانحرافات أظنها تعمّدت تقديم كتابها بهذه الشاكلة حتى تؤكد على أنّ كل ما حدث مع شخوصها في الرواية فيه جانب من الحقيقة الموجعة والمثيرة في آن. حقيقة علاقة اليهود بالغوييم والنقمة التي يكنونها للعرب المسلمين بصفة عامة.
في الرواية أحداث متعاقبة تسير على خط رفيع من المتناقضات بين الأبيض والأسود وبين الفضيلة والرذيلة وبين الإيمان والكفر وبين الجمال والقبح وبين الوفاء والخيانة وبين الحياة والموت. وفي كل مرة يأخذنا الراوي إلى مسارب غير مدروسة و تجاويف عميقة قد تلهينا عن الحكاية وتشوش علينا الأحداث المتشعبة و المتقطعة بين الماضي والحاضر والمستقبل ولكننا رغم ذلك نصمد ونتابع الأحداث للنهاية.
تدور أحداث هذه الرواية بين جزيرة جربة التونسية ومدينة نيس الفرنسية. أبطالها عائلة يهودية ينتمي إليها الراوي مع أخيه داوود وأخته راشيل وعائلة السيدة هاجر تلك المرأة الطيبة التي وجدوها في فراشها معتدى عليها جنسيا وميتة خنقا. وهي زوجة إبراهيم النالوتي وأم فرج واسماعيل و راقية وهي صاحبة متجر في حومة السوق وجارة الراوي التي تربطه بها علاقة أمومة حتى أنه يقول في صفحة 16 “المرأة التي شربت بياضها وليدا”.
وهكذا تكون الخطيئة الأولى: طفل يهودي ترضعه امرأة من “الغوييم”. ومن المعروف أن كلّ ابن لامرأة يهودية هو يهودي ولا يجوز أن ترضعه امرأة غير اليهودية. والكاتبة تعمدت هذه الحكاية في روايتها لتطلعنا على مدى نظرة اليهود الاستعلائية وكم يسرفون في التعالي والقطيعة بينهم وبين غيرهم إلى درجة فوق الجنون.
يقول الراوي في صفحة 83 (…أنا الفتى الأعرج. أصيبت قدمي اليسرى يوم انقلبت بنا السيارة. يموت والداي. أما أنا فأنجو بأعجوبة وسني لم تناهز الستة أشهر. يجدونني مثل اليراعة المحشورة في يرقتها محمية بعناية ربانية. يكفلني أخي. تربيني أختي. ترضعني جارتنا أم إسماعيل…)
وفي كل يوم تأخذه أخته راشيل إلى المتجر المقابل لبيتهم فترضعه هاجر أمّ اسماعيل بدون علم أخيه داوود. و لمّا يعلم بالأمر تثور ثائرته ويبرز كرهه للغوييم وينعتهم بالغباء والدنس.
في صفحة 34 يقول الراوي: (…ينظر إليها باشمئزاز. يزمجر في وجهها ممسكا بلحيته التي أرسلها حديثا على صدره: طبعا هذا معروف. من أين له بكل هذا الغباء إن لم يكن من ذاك اللبن اللعين؟ ما تفعلينه لن يجدي نفعا راشيل. أخوك خارج عن دائرة القداسة؟
الحل في تطهيره من هذه الخطيئة…). والراوي هذا الطفل اليهودي الذي مسخته الحقيقة بشرا لئيما يصول بعد الشبع فيرتكب جرما في حق من ألقمته ثديها ويخنقها بيديه بعد أن أصبح حالة مرقمة تخضع إلى قوة تسيطر على العقل البشري من بعيد. حتى أنه قال في صفحة 198: (… بطريقة ما لم أعد أنا…) ويعرف أن أخاه داوود خلف هذه العملية. داوود هذا اليهودي المتطرّف والملقب بالشاف نجده أيضا وراء كل الأحداث التي وقعت في تونس بعد الثورة: اغتيالات وحرقة و تسمم و موت تحت غلاف سكتة قلبية و تحريض على الإضرابات وتهريب وفوضى وهو الماسك الأول بزمام الأمور ينتدب أعوانه من الغوييم ويخضعهم لعملية غسل الدماغ ثم يأمرهم بتطبيق القرارات والأهداف حسب الظروف والأماكن. وهذا “الشاف” داوود يستغلّ المرأة بالخصوص لأن جسدها هو أهم أداة لتحقيق الأهداف ومهمتها أن تشجع الانحلال في المجتمعات غير اليهودية حتى يعمّ الكفر والفساد وتضعف الروابط المتينة بين أفراد المجتمع وهكذا تسهل عليه السيطرة عليها وتوجيهها كيفما يريد من أجل (الدولة الكبرى).
رواية “الغوييم” تعرضت بإطناب إلى عملية اغتيال شكري بلعيد تخطيطا وتنفيذا وكذلك عملية اغتيال مهندس الطيران الزواري بكل التفاصيل بالإضافة إلى حقيقة القناصة الذين انتشروا في أماكن متعددة في تونس أثناء الثورة وكذلك الموت المفاجئ لبعض المسؤولين والأكثر من ذلك التدخلات في الانتخابات وفي الشأن السياسي بصفة عامة وتكليف بعض الأعوان بمهمات داخل الدولة وفي مجلس النواب. هذا في غياب كلي للشعب الواعي الذي بقي صامتا أمام كلّ هذه التجاوزات وفي حياة غابت فيها الحياة حتى أصبحت أسوأ من الموت.
ومع الأسف بكل غباء صدق أغلب هذا الشعب أن ما حدث في تونس ثورة وأن الربيع العربي ليس عبريا. وهي بصدق أخطاء كلفتنا الكثير وكم من الوقت يلزمنا حتى نصلح أخطاءنا ونخرج من عنق الزجاجة التي بارادة غيرنا حبسنا أنفسنا فيها.
وإلهام بوصفارة وهي الكاتبة الملمة بكل الحقائق والتفاصيل تنهي روايتها بسؤال مثير فتقول على لسان الراوي: (…أخطأ قومي. أخطأتم. أخطأت. أخطأنا جميعا. نحن أبناء خطيئة. الله لا يخطئ. لكن هل يمكن أن نعدم التفكير؟…) وبالفعل نعدم التفكير لو بقينا أغبياء…
وقبل أن أختم لا بدّ أن أشير بأنّ رواية “الغوييم” صادرة عن الأطلسيية للنشر في طبعة أنيقة من الحجم المتوسط تجاوزت 220 صفحة. و هي رواية كشف الحقيقة في زمن التعويم لكلّ شيء.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق