ثقافةكاتب وكتاب

فتحي النصري والقرع على الأبواب الموصدة/ بقلم محمد الغزي.

ميديا بلوس-تونس-مغامرة فتحي النصري الشعريّة مغامرة مستمرّة تستعصي على كلّ تحديد وتَتَأبَّى على كلّ ضبط، فكلّما تصوّرْنا أنّنا أدركنا ثوابتها، وهتكنا أسرارها تفلتت من بين أيدينا وتركتنا عزّلا ننظر إلى أدواتنا النقدية بإشفاق.
أشرنا في دراسة سابقة إلى علاقة شعر النّصري بالخارج النصّي، أيّ إلى علاقته بالواقع الذي صدر عنه، وأوضحنا أنّ النصري وإن أبقى على وشائج كثيرة تشدّ شعره إلى حرارة اللحظة التي صدر عنها، فإنّه عدل، عن وعي عامد، عن التيارات الشعرية التي تعدّ اللغة أداة نقلٍ وتعبير غايتُها الإفصاح عمّا هو خارجها. وكون الشّعر أداة نقل وتعبير يعني أنّ الكتابة ليستْ إلاّ تناوُلا للمعنى العاري يكسوه الشاعر بالألفاظ. وأوضحنا أن لغة النصري، وإن كانت مفعمة بقوّة اللحظة التاريخية، فإنّها ظلّت لغة لازمة تقول ذاتها في المقام الأوّل… لغة هي أشبه ما تكون بالزجاح تملؤه الزخارف يشدّنا إليه قبل أن يشدّنا إلى ما وراءه.

على هذا الوتر المشدود بين الشعر بوصفه خطابا يقول ذاته، والشعر بوصفه إفصاحا عن المرحلة التي صدر عنها تتأسّس قصيدة فتحي النصري… قصيدة تتداخل فيها الأمكنة والأزمنة والأقنعة تداخل التعمية والتشابك… من خلالها تتجلّى أنا الشاعر الأصلية وأناه المتلفظة في الخطاب في صور كثيرة ومواقف شتّى…
البعد السير ذاتي:
من الظواهر الجديدة التي بزغت في هذه المجموعة المنزع السير ذاتي…
ففي قصائد الشاعر تحتشد إشارات ومفردات سيرية متنوعة أضفت على هذا الشعر نبرته الحميمة الهامسة… من بين هذه القصائد: القصيدة التونسية/ 9 أفريل طللية/ أمسية في صبنجا…
الشعر هنا مجلى الذات التي تتكلم زمنها وتقول تجربتها وتفردها. ثمّة تطابق واضح بين أنا الشاعر الأصليّة والأنا المتلفظة في الخطاب وإن تعدّدت الضمائر وتنوعت… في هذه القصائد يلتقط الشاعر، وعبر جمل شعرية مفعمة بالموسيقى، مواقف وتجارب ومشاهد من تاريخه الشخصي، محيلا على مكان وزمان مخصوصين يؤكدان “تاريخية الأحداث”…
جاءت نصوص النصري، في هذه المجموعة، بوصفها إحدى المحاولات المتقدّمة لكتابة قصيدة سردية، تجمع، بحسّ جماليّ لافت، بين صيرورة القصّ وكينونة الشعر… هذه الظاهرة، وإن تردّدت في دواوين النصري السابقة إلاّ أنّها استقرّت في هذا الديوان واستتبّت مقوماتها وأصبحت ملمحا مهمّا من ملامح تجربة الشاعر.
ففي قصيدة حكاية جنوب المتوسط يستدعي الشاعر مناخات الحكاية الاليغورية ويستدعي معها مراسم القصّ العربية: حضور الراوي، تردد اللازمة كان يا ما كان، استدعاء الكائنات الخرافية…
لكن النصري لا يستحضر حكاية قديمة وإنما يبتكر حكاية جديدة كما يبتكر أحداثها وشخوصها. فهو لا يعمد إلى التضمين والاقتباس كما عمد الرواد وإنما يكتب الحكاية يطوّعها إلى مقاصده وجملة أسئلته…
ونحن لا نبالغ إذا قلنا إنّ النصري يعدّ من اكثر الشعراء افتتانا بالحكاية يرفد نصوصه بطاقاتها التخييلية الكبيرة.
اختبار أنواع شتّى من الإيقاع:
للإيقاع في أعمال النصري منزلة وحظوة.فإذا كانت الحداثة قد ارتبطت بالخروج عن نظام الإيقاع التقليدي. فإنّ شعر النصري قام بالاستدراك على هذا الخروج. وعمد إلى اختبار انواع من الإيقاع شتّى. إنها القصيدة الحديثة تعيد النظر في كلّ ما استتبّ واستقرّ وبات سائدا.
في هذه المجموعة اختبر النصري بنية البيت ، كما اختبر بنية السطر الشعري،واستدعى قانون البحر كما استدعى قانون التفعيلة سواء أكانت تامة أم ناقصة وفق الدفقة الشعوريّة… كما جرّب قوانين القافية في مختلف تجلياتها… إذ التزم في قصائد الشطرين بالقافية الموحدة وتحلل منها في بعض القصائد كما عمد الى استخدام القوافي المتناوبة والمتعاقبة في عدد من القصائد الأخرى.
هذه الفتنة بالإيقاع هي من أخصّ خصائص قصيدة النصري… كل نصوص الشاعر مغسولة بماء الموسيقى. كأنّ من مهامّ الشعر أن يوقّع اللغة، أن يحوّلها إلى مجموعة أنغام، أن يجعلها مثل الموسيقى دالّا دون مدلول، تحيا بعيدا خارج “حروب العلامة” و”حروب المعنى” لصالح التجريد المطلق على حدّ عبارة الكاتب الانكليزي غوير.
لم ينس النصري درس الشعراء الرمزيين الداعي إلى تحويل مفردات اللغة إلى معازف كلّما لامستها أصابع الشاعر أصدرت أصواتا جديدة…
ويمكن أن يقول النصري ما قاله ديلان توماس ذات يوم متحدثا عن علاقة الشعر بالموسيقى: “لقد رغبت في كتابة الشعر لانني وقعت بادئ ذي بدء وقعت في غرام الكلمات… لقد شدني صوت الكلمات ولم أكن أعبأ بما تقوله بقدر حرصي على هيئات الصوت الذي يسمي والكلمات التي تصف الأفعال في أذني والألوان التي ترشق الكلمات في أذني…” فتحي النصري، مثل توماس، واقع في غرام الكلمات وأصواتها و تموّج ذبذباتها لهذا كان ديوانه دلالة موقعة أو إيقاعا دالاّ.

إنّ خيارات الشاعر الجماليّة ازدادت في هذه المجموعة وضوحا ورسوخا فقصائد النصري في هذا الديوان كما في الدواوين السابقة حصيلة جدل ثريّ وعميق بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، بين التاريخي والمتخيّل بين الأنا الأصليّة والأنا المتلفظة في الخطاب.
هذه القصائد تنهض على المفارقات، وعلاقات التماثل والتضاد، والحوار المستمرّ بين الصّفات والخصائص النّوعيّة المختلفة. وقد أسهم النزوع القصصي في تطوير نزعتها الدّراميّة بما انطوى عليه من جدل بين أطراف متقابلة متفاعلة (مثل الحاضر والماضي، والذّات والآخر، والأسطورة والتّاريخ…)

وكما في بقيّة المجموعات نجد نزعة تجريبة في هذه المجموعة… يسعى من خلالها الشاعر إلى فتح مسالك شعريّة جديدة… تتجلّى هذه النزعة أقوى ما تتجلّى في السونيتات حيث يتمّ تقطير الشعر… فلا يبقي الشاعر إلا على جوهر الشعر… أي على شعر الشعر.

النصري هنا يجرّد الشعر مما هو غريب عنه، يسمّي ما لم يُسمّ بعد، يرصد ما لا يتحرّى بالعيون، على حدّ عبارة أبي نوّاس… كلّ هذا من أجل تشييد معمار شعري يحقق توازنا بين الإيقاع والدلالة، بين الخطّ والفراغ، بين المقول وطريقة القول…
إنّها حساسية شعرية جديدة لها خصائصها الفارقة تنتصر للشعر بوصفه خطابا يبتكر متخيّله باستمرار ويذهب به إلى الأبعد والأنقى والأجمل.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق