ثقافةكاتب وكتاب

“مدن و لا سراويل” لكلثوم عياشية شكلا وأسلوبا بقلم/ هشام خلف الله.

ميديا بلوس-تونس-رواية من الحجم الكبير (240 صفحة) خُطّ على غلافها الخارجيّ من الأعلى اسم صاحبتها وسُطّر ليجيء اسم الرّواية تحته بخط غليظ أشبه بخط اليد وبلون مختلف يحاكي ما في أسفل الصورة من زرقة اعترت الحائط الجليزيّ العتيق الذي خبت بعض ألوانه وأفلت رسومه حتى غدا كجلد اعتراه بهاق بغير رحمة أو قل كمبنى اهترأ تقادما فتساقط بعضه حتى كاد يفقد معالمه.
وتجيء تحت العنوان عبارة “رواية” محددة للجنس الأدبيّ للعمل في طريقة تقليدية بسيطة … والملاحظ أنّ العبارة لحقها التهرّأ الذي لحق الجدار فامّحت بعض حروفها من الأسفل منذرة بقدم هذا التقليد ربما أو بقدم الجدار لست أدري.
يعلو الجليزَ الجداريّ حائط كثير الخدوش رغم حداثة ظاهرة في الطلاء ذكرني بجدار بيت المونة في بيت بهيجة _احدى شخصيات الرواية _ ذاك الذي تعودت أن تقوم بطلائه بنفسها خشية منها على “المونة”… فيظهر لك الجدار قديما طُلِيَ كيفما اتفق ودونما خبرة ودون عناية بإصلاح اهتراءاته قبل عملية الطلاء.
أما الصورة التي استقرّت في الجهة اليمنى من أسفل الغلاف في حجم ملحوظ فهي ظل لرجل وامرأة وكأنه يلاحقها وهي لا تفطن أو لا تأبه… المهمّ أنّ الوصال بينهما مقطوع لعدم ما يحيل عليه في الصورة أو في الرواية… فاليد الممتدة التي تسبق صاحبها مازالت ممدودة لا تدرك الفتاة ولا يدها…
أما الشريط الأحمر القاني الذي يذيّل الغلاف وخُطّ عليه باللون الذهبيّ فللإشارة إلى أن الرواية محرزة على جائزة توفيق بكار للرواية لسنة 2019. كما يؤكد ذلك ما خُط على ظهر الغلاف… من رتبة الجائزة وسبب فوزها بقلم لجنة التحكيم دون أن ننسى الإشارة إلى دار الطبع: مكتبة الأنس وصولا إلى مصمم الغلاف: عادل التليلي

بحثت لي عما ينصف صديقتي في ما اجتهدت في تقديمه للجنة اضطلعت باعطاء كل ذي حق حقّه بدءً بصاحب الرأي في الرواية الذي من أجله ثُمنت مرورا بالذي طبع انتهاء بمصمم الغلاف… إلا أنني لم أجد لصاحبتي انصافا…
ونحن في خضمّ التقليدات نسيت لجنة التحكيم او المسؤول عن الطباعة تقديم صاحبة الأثر واضعة مكانه تبرير الحصول على الجائزة مهملة بذلك تقليدا دأبت عليه دور الطباعة الشرقية والغربية… فالقارئ قد يقرأ ترجمة الكاتب قبل نصه… وهذا حق له… لينصح به أن سكن إلى الأثر أو لينصح عنه…
ثم إن الكاتب يروم من النشر فيما يروم تعريفا بشخصه فما الكتب الا بنات لأفكارنا ننسبها الينا وننتسب اليها فتُعرف بنا ونُعرف بها… وعليه سألت الكاتبة ترجمة لها فقالت: أنا كلثوم عياشية أستاذ مميز تعليم ثانوي وليدة العاصمة تونس لي محاولات في الشعر والقصة القصيرة لي مخطوطات في القصة والشعر خريجة كلية الآداب منوبة ناشطة في مجالات أدبية واجتماعية. متزوجة وأم لولدين زاولت مهنة التعليم في الابتدائي والثانوي…
لا يمكنك إلا أن تتفرس صورة الغلاف مرّة أخرى بحثا وتدقيقا وقد قرأت الرواية وأعدت قراءتها باحثا عن حقيقة من في الصورة…
الرواية تزدحم فيها الشخصيات والحكايا… والحكيُ من صنو الحياة فهو الأمثال خلاصة وهو الخرافات المساعدة على التربية وهو التجارب التي وجب الاعتبار منها والبناء عليها… وهو معارف نجهلها فنعرفها منه…
والشخصيات في روايتنا تتشابه أحيانا حدّ التماهي وقد تختلف حتّى لا واصل بينها…
فقد تشير الصورة إلى “منية الشقرى” الفتاة الجميلة فارعة الطول أنيقة المظهر تلاحقها الأعين أنّى كانت دون أن تظفر بعريس يناسب أحلامها…
أو هي إحدى بنات “دار شاذلية” في طريقها الى غرفتها صحبة ضيف…
أو هي “يزّي المروكية”يلاحقها “بلقاسم” طالبا الزواج بها أو “حميّدها” يستجديها بعضا من مصروف…
أو هي الطبيبة المتأشعرة “نجلاء المناعي” يلاحقها “الشاذلي سعيدان” يطلب ودها ويهديها نصوص غيرها تنسبها لنفسها دون حياء… أو… أو… الخ…
المهمّ إنها من جنس”هنّ” وهو من جنس “بوسروال” على حد تعبير الأمّ “يزي”

قراءة في العنوان:

“أنا نويت أن أتخفف من كل شيء في هذه الحكاية التي لم أجد لها عنوانا بعد… “(ص 18)
تطالعك حيرة الكاتبة منذ أول الرواية في العثور لها على عنوان مناسب… إذ لا بد لهذا الوليد من اسم يُسمّى به ولا بدّ من التنويه بهذا الاسم بجعله في صدارة الغلاف و بخط غليظ فتكراره في الصفحات الداخلية الأولى وصولا الى الإشارة إلى علاقته بالنص…
واستقر للساردة عنوان “مدن ولا سراويل”.
شدني البحث في التركيبة النحوية للعنوان لأنطلق منها إلى المدلول… وطال بحثي والحيرة فقد وقفت مطوّلا أتأمل نوع الجملة حتى قلت بأن لا مناص من التأويل لأحصل على بغيتي. وأوّلت.
دون جدوى. فقد ذهبت في الأول إلى اعتبار الواو حاليّة وهم ما يستقيم مع المعنى دون اسميّة الجملة _وقد ذهبت في اعتبارها كذلك_ لأن اعتبارها فعلية بات أمرا مستحيلا سواء استعنت بالتأويل أو لم أفعل…
فلم أجد بدا من اللجوء إلى أساتذتي: الأستاذه عائشه خضراوي شبيل والدكتور المنصف بن عبد الجليل دون أن أعفي صديقي الدكتور سليم الشريطي من الإضجار.
واستقر الرأي على اعتبار العنوان متكونا من جملتين اسميتين وجب التقدير في كلتيهما. فنحصل على:
(هذه) مدن. ولا سراويل (فيها)…
فتصبح الواو عندها استئنافية ربطت بين الجملتين… فأكون بذلك قد تخلصت من معنى الحاليّة وإن وُجد… فالمدن على شساعتها وكثرة مكوناتها وتنوعها تفتقر في الرواية وحسب الساردة إلى “بوسروال”…
وتستوقفنا المدن بدلالاتها المختَلَف فيها فهي معمار وهي نساء… إذ نصنا يستجيب للمعنيين معا…
فالمرأة عميقة كمدينة متنوعة شاسعة مثلها …و هي التي تربي شعوب المدن و الاوطان …
أما السراويل فتحيلنا على العبارة المنسوبة للام” يزّي” تكررها لابنتها “منيه الشقرى” محذرة مرهبة من” بوسروال”
إشارة إلى جنس الذكور…
وقد عيب على صديقتي استعمال هذه العبارة واعتبرها بعض هجينة وآخر نابية… في حين أن تراثنا التونسي القديم عليم بالعبارة وقد اعتاد استعمالها بل إننا نجد لقب بوسروال لبعض العائلات في أرياف مدينة القيروان وغيرها… فهل يتوجب على تلك العائلات التخلص من لقبها أو استبداله!
وعليه… فان المقصود المدن التي لا سراويل فيها هي النسوة اللاّئي خذلهنّ الذكور فغابوا عن حياتهنّ غياب الخاذل أو اللافاعل أو المتلاعب بالمشاعر أو المستقيل من الرجولة…
وتتزاحم حكاياهن وتتدافع اليك صورهن تباعا فتتماهى القصص في الأخير على اختلاف أحداثها وتستقر كلها في خانة يغيب فيها “بوسروال” تاركا أنثاه تتخبط في حياة هو من خطط لها.
وهكذا يكون العنوان مترجما لفحوى النص عاكسا الحياة الجديدة في مدنها مع مدنها مشيرا لما تفشى في المدن من تغير للمفاهيم بدء بمفهوم الرجولة وصولا الى تفاقم ظاهرة النفاق والانحراف. وهكذا تكون الكاتبة قد ارست روايتها على عنوان يعري أحداثها عري المدن من السراويل.

بناء الرواية:

الرواية ذات فصل واحد مصدَّر بمقولة للساردة “منية الشقرى”
توصي بإعادة كتابة الحكاية عوضا عن محاولة ترتيب أوراقها… مشيرة بذلك إلى المنهج الحديث في الرواية العربية القائم على تشريك القارئ في عملية البناء والترتيب وصولا إلى الفهم الذي يغدو على إثر ذلك عمليّةً نوعيّة يفضي بالحكاية الواحدة إلى مفاهيم عدّة تختلف حسب كل قراءة وترتيب.
فروايتنا بمنأى عن الحكاية التقليديّة القائمة على الشخصيّة المحوريّة الواحدة (البطل) التي تحوم حولها كل الأحداث وتحدّث عنها كل الأماكن والأزمنة والشخصيات… إنها الجديد الذي تتعدد الحكايا فيه لتكون لكل حكاية شخصياتها وشخوصها ومقوماتها السردية الخاصة بها.
هي الجديد الذي تتداخل الأحداث فيه والأزمنة والأمكنة وتتعدد فيه الشخصيات الرئيسيّة حتى تغدو الرواية الواحدة جمعا من الحكايا المضمَّنة في واحدةٍ.
ثم قسّمت راويتنا فصلها اليتيم ذاك الى أبواب أو هي مشاهد والحال أننا عرفنا مصطلح الفصول أو المشاهد في البناء المسرحيّ… وقد عمدت الساردة إلى عنونة كل مشهد وتصديره بمقولة مأثورة أو حكمة معروفة تقدم بها للمشهد… فجاءت عناوين تلك المشاهد مشيرة الى أسماء شخصيات تعرّفها في الإبان أو هي مصطلحات غريبة تفسرها أو ربما أماكن تقدمها لنا.

الأسلوب في الرواية:

أذكر أنّي قرأت ربع الرواية. ثم توقفت. ورفعت إليّ هاتفي أكلّم صديقتي “كلثوم عياشيّة ” لأبثّها ما فعلت فيّ لغتها. فقلت: “صديقتي… أنا مندهش… بل منصدم… اللغة تقذف بي من مسرح الجمال اللغويّ ببديعه وجناسه وكنايته الى مسرح الرداءة بما فيه من بساطة الأسلوب و عاميّة اللهجة و حوشيّ اللفظ وصولا الى العبارات النابية …”
فما كان من صديقتي الاّ أن ضحكت و أوصتني بمزيد القراءة و التقدم فيها بحثا عن وظائفية الاساليب التي استعملتها ..
فتقدمت حتى تعرّفت على شخصيّة” يزةالمروكيّة” صاحبة العبارات النابية الصادمة ثمّ “حميّدها” الذي أخذ عنها ذلك الأسلوب و سلوكا مشينا…
اللغة تختلف في الرواية حسب مستعملها فالساردة “منية الشقرى” المثقفة الموظفة العمومية متين أسلوبها تأسرك متانته فتحبب إليك الأسلوب وصاحبته وتمتّعك الطرافة فيه التي تطول حد السخرية التي تذكرك بكتابات بعيدة في القدم… فقد تبتسم لذلك أو تضحك ملء شدقيك دون أن تهتم للوضع الذي لا يسمح بالضحك فتراها مثلا واصفة أمّها بعد موت الأب قائلة: “نعم… أصبحنا شبيهتين الآن. هي أيضا فقدت بوسروالها”.
وتتعدد مواطن الأسلوب الساخر المثير للضحك والدهشة ويقوى بذلك الرابط بينك وبين النص حتى تغدو أسيرا له تطلب ما فيه رواء لك ويطلب ما فيك اهتماما لا يخبو ولا يفتر… وتغدو الرواية أغنية عذبة تطربك فلا تنفك عنها إلا لتعود إليها من جديد بحماس أكبر وتركيز أقوى وأجدى…
وليس أسلوب الضحك بغريب عن الأدب العربيّ ولا بالدخيل اذ عرفناه في آثار ضاربة في القدم ولعل أبرزها ما جاء في رسالة الغفران للمعري من وصف ساخر للعوالم الغيبية أو ما جاء في مقامات الهمذاني من نقد اجتماعي ساخر…
وإذا ما اعتبرنا الضحك _كما ذكرت مرة في إحدى خواطري_
” تعبير عجز عن وصفه الكلام فتجلى بطريقة مختلفة” فإنّ الأسلوب المضحك الذي يقوم على السخرية يعتبر فنا قائم الذات لا بدّ لصاحبه أن يمتلك روح الدعابة حتى يتقنه ويحسن استخدامه فيما يكتب. فالإضحاك تكون غايته عامّة تنفير القارئ من الوقوع في موقف مشابه حتى لا يكون موضع سخرية…
ولعل أبرز العبارات المثيرة للضحك والتي استعملتها الكاتبة بكثافة على لسان الساردة الراغبة أبدا في الزواج دون جدوى هي “تلك البويضات المهدورة بلا تلقيح” فقد أفرطت “منية الشقرى” في إقحام العبارة تلك في كل حديث عن حرمانها من “بوسروال” الذي طال حتى غدا الحديث عن تلك البوضات المهدورة بمثابة الترجيعة في الأنشودة أو الزجل الذي تضطلع المجموعة الصوتية بتكراره في كل مقطع وكلما سكت المطرب.
كنت في الأول أستغرب التعبير ثم ألفته ولما كانت الساردة تتقن اختيار المواضع له وجدتني أقهقه كلما اعترضني فاقرأ وأعيد القراءة بحثا عن راحة في الضحك…
أشرت في أول هذا العنصر الى أن اللغة تأرجحت بين ما هو متين و ما هو صادم… وأشرت في الأول إلا أنّ الصدمة متأتّية من غرابة لغة بعض الشخصيات المتحدثة باللهجة التونسية الدارجة مشتملة على بعض العبارات النابية فضلا عن بعض الأدعية التي تعودناها من امهاتنا وجداتنا عند الغضب… وقلتُ بأن استعمال العاميّة على ألسنة تلك الشخصيات كان وظيفيا بل واجبا وحتميا… فقد أعطى للرواية مسحة ضافية من الواقعية أوحى بها وأقنع، رغم إشارة الكاتبة في صدارة عملها أنه بعيد عن الواقع غير ماتّ له بصلة .
أما الصادم الثاني في أسلوب الرواية فهو ما جاء فيها من مشاعر غريبة وأحداث أغرب كتلك الابنة التي تتحدث عن كراهيّتها لأمها مؤكدة للقارئ تلك الكراهية في أربع مناسبات في أقلّ من نصف صفحة… ليأتي هذا التصريح الجريء صادما للقارئ الذي لم يكن بعد قد خبر السبب وطبيعة العلاقة التي تربط الساردة منية بأمها…
وليس هذا المضمون فقط هو الصادم في الرواية بل هناك ما هو أكثر صدمة…
هناك ما يجعلك تقرأ فتنصدم إلى أن ترمي الكتاب من بين يديك بعيدا وتبقى فاغرا فاك لزمن ليس بالقصير…..
ثم تقوم تلتقطه… لتعيد القراءة علّك كنت أخطأت الفهم في الأولى … فيخيب ظنك وتبين لك الحقيقة عارية أمام عينيك دون محسّنات…
هذا ما وقع لي وأنا أكتشف نية شخصية الأخ “حميّد” وهو يحاول الاعتداء على أخته في غير رحمة ولا حياء… فتكون الصدمة الأقسى من اللغة في المضمون…
شخصيّة “حميّد” بوسروال الذي بالغت الأم في تدليله والدفاع عنه إلى أن تمادى في تجاوزاته حتى راح يعبث بكل القيم الإنسانيّة فضلا عن قيم الرجولة التي تقتضي من الأخ حماية الأخت والحفاظ على سمعتها.
شخصية غريبة تطرح من خلالها الساردة مسألة التديّن الزائف من ناحية والبطالة من ناحية أخرى وتعاطي المسكرات من ناحية ثالثة لتجعل من “حميّدها” على حد تعبير الأخت منيه شخصية معقدة بملامح شيطان… فتحقق بذلك الساردة غايتها من اعتماد الصادم لغة ومضمونا وتُلقي بما يخامرها وبما تنوء تحت ثقله فتتعرّى الحقائق ويسقط أقرب بوسروال من عالمها. فينجلي بذلك، سبب كراهيّتها لأمها التي أمضت العمر تحذرها من بوسروال في الخارج والحال أنها بنفسها خلقته لها في الداخل لتعيش مهددة وفي خوف يطال الداخل والخارج…
هي روايتنا تلك صوّرتها لنا ساردتنا كما اشتهت فجاءت شخصياتها غريبة غرابة أحداثها الصّادمة لنا صدمةَ لغتها وتعابيرها…

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق