إسلاميّاتالأسرة و المجتمعثقافة

أحاديث موضوعة وأهمية علم “الجَرْح والتَّعْدِيل” في كشفها…! (المرأة لها ستران: الزوج، والقبر، والقبر أستر لها”…!)

ميديا بلوس-تونس-

سألت إحدى السيدات تقول: “ما صحة الحديث الذي ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والذي يقول فيه:” المرأة لها ستران: الزوج، والقبر، والقبر أستر لها”؟ وأجيبها بعد التوكل على الله وأقول: إنَّ ما سألت عنه هو حديث موضوع كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة والموضوعة، ونصّه: ” للمرأة ستران: القبر والزوج قيل: وأيّهما أفضل؟ قال: القبر”. وقال ابن الجوزي رحمه الله عنه: حديث موضوع على رسول الله، لأنّ أحد رواته خالد بن يزيد، وهو متهم في صدقه وضبطه، ومن المجروحين المطعونين. وقال عنه الحافظ أبو أحمد ابن عدي الجرجاني المشهور بابن عدي صاحب الكامل في ضعفاء الرجال، وهو أحد أهم كتب الجرح والتعديل: أحاديثه كلّها لا يتابع عليها لا متنًا ولا سندًا. وقال الإمام الذهبي: ليس بالمُتقِن وينفرِد بالمناكير، أي ينفرد برواية الأحاديث الباطلة المُنكرة . ويقول عنه أبو جعفر العقيلي: جرّحه علماء الجرح والتعديل، ولم يقبلوا حديثه إذ يقول لا يُتابع على حديثه، ويقول عنه أبو حاتم: ليس بقويٌ، وقال يحيى بن معين عنه: إنّه ليس بشيء، أهله يقولون: ليس له صحبة… وأقول: إنّ هذا الحديث الذي بينّا ضعفه أريد به الإساءة للإسلام والمرأة، والتقليل من شأنها وهضم حقّها في الحياة الحرّة الكريمة، وإلغاء دورها في الحياة والعبادة، ومشاركة الرجل في بناء المجتمع على قواعد متينة، كما أراد الله، لا أنْ تخيّر المرأة بين الزوج والقبر الذي هو أستر لها…!، وهذا الحديث متنه يتعارض مع آيات الله وأحاديث الرسول الصحيحة التي كرّمت الإنسان وفضّلته على كثير من خلقه قال تعالى: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) الإسراء: 70، فالمرأة خلقها الله لتحيا، وتعيش وتشارك الرجل في شؤون الحياة، وفي عبادة الله، وجعلهم الله خلائف في الأرض قال تعالى: ( وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره) فاطر:39، فمكّن الله لهم في الأرض وهم أحياء، واستخلفهم فيها فناظِرٌ كيف يعملون، كما شاءت قدرة الله التي كرمته بعد أنْ هيئت له أسباب الحياة العزيزة، وساوت بينهما في التكاليف الشرعية، وفي الأوامر الدينية، وفي الثواب والعقاب، فخاطبهما معًا، فقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيينَّه حَياةً طَيبِّة وَلَنَجْزِينَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كاَنوا يَعْمَلوْن) النحل: ٩٧، وهيّأ لهما الحياة الطيبة العزيزة الكريمة، فكيف تخيّر المرأة بين الزوج والقبر. وقد بايع الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم النساء كما بايع الرجال على التوحيد و إخلاص العبادة لله تعالى، وعلى أداء التكاليف الشرعية والتحلي بمكارم الأخلاق، كما ساوى بينهما عندما قال:” إنّما النساء شقائق الرجال” فهنّ نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهنّ شُققن من الرجال. وساوى بينهما في المسؤولية كما قال:” كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته…
**أهمية علم “الجَرْح والتَّعْدِيل” في معرفة نوع الحديث: لقد أنعم الله على الأمة بعلماء ثقاة اهتدوا إلى هذا العلم الذي يبحث ويمحّص في النظر في متن الحديث وسنده، فكما اكتشفنا ضعف الحديث محور موضوعنا من خلال معارضة متنه للنصوص القرآنية والسنّة النبوية، وبقيز أنْ نشير إلى ضعف سند هذا الحديث، فالسند: هو تتبُّع أحوال الرُّواة وأوطانهم ومواليدهم وَوَفَيَاتهم، حتى يصلوا إلى الرُّواة العُدُول، ويثبتوا عدالتهم لقبول روايتهم والعدالة تقتضي أن تتحقق في الراوي: الإسلام والعقل، والبلوغ، والسلامة من الفسق، و من خوارم المروءة، أي الأمور التي تؤثر في شخصية المسلم في مجال كمال إسلامه، ولذلك ساوى في طلب العلم والمعرفة بين الرجل والمرأة. وعلم الجرح والتعديل هو الذي اهتدى إلى تقسيم الحديث إلى صحيح، وحسن، وضعيف، بعد أنْ أخضعه لشروط وقواعد محكمة ، وفصّل في أقسامه… وهذا العلم هو الذي حمى السنة النبوية من الضعف والإهمال والتشكيك والتقليل من أهمية كونها الركن الثاني للتشريع الإسلامي، وفيه ردّ على التقوّلات التي يدعو أصحابها إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم من دون السنّة، أو التشكيك بصحة الأحاديث ونسبتها للرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وأنا أعجب كل العجب ممن يستمر في تشكيكه بالسنّة النبوية ويقلل من أهميتها، وأعجب من أولئك الذين يحتجون بأحاديث مرفوعة للرسول أو الخلفاء والصحابة و آل البيت رضي عنهم وأرضاهم من دون التمحيص من متنها وسندها ومن دون الأخذ بقواعد وشروط علم الجرح والتعديل، وأنا أعجب منهم لأنّهم يعلمون أنّ الوضّاعين والكذابين كذبوا على الرسول القائل: “إنّ كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذّب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار”، وعلى الرغم من كل ذلك فقد كذّبوا عليه، فكيف لا يكذبون على غيره من الخلفاء والصحابة والأئمة, وأهل البيت، فكيف نروي اليوم عنهم من دون التدقيق في المتن والسند، ونرّوج لأحاديث وأقوال مرفوعة حتى ولو أنّها وردت في أي كتاب لم يخضع لقواعد علم الجرح والتعديل. والله أعلم

د. حمدي المارد

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق