ثقافةمقالات رأي

النهاية 404| مهاب لحبيري

ميديا بلوس-تونس فعلا يا بني، إنه رغيف خبز. لماذا أنت مندهش؟ ألست متأكدا أنه رغيف خبز. اعذرني إنه محترق قليلا ولكنه حتما سيسكت جوعك و يكفكف دمعك. بني قل شيئا. هل أنت مصدوم؟ ألست واعيا إلى حد هذه اللحظة أن هذا الشيء الذي أحمله هو رغيف خبز. اعذرني فهو غير ساخن ولكنني أظنه لذيذا جدا. لا بأس إن كان عمره يومين أو أكثر. لماذا زاغت عيناك أمامه هكذا؟ ألست مصدقا أنه رغيف خبز؟ اعذرني سانزع منه هذه المساحة الخضراء التي أصابها العفن ونأكل الباقي. لا تقلق يا بني إن جاءت الشرطة و اودعتني السجن. أتدري لماذا؟ لا لا تبكي يا بني فابوك سيدخل السجن لأنه سرق هذا الرغيف من القمامة
بني لا تنظر لي هكذا. لماذا تنظر إلى وجهي هكذا؟ أ مازال الاصفرار يكسوه؟ لا تقلق سامتثل إلى الشفاء قريبا. ماذا قلت؟ وهل لي مال حتى أزور الطبيب؟ ومن سيشتري لي الدواء الذي سيصفه لي. ألم تذهب معي إلى المستشفى حينها ورأيت بأم عينيك حالته المزرية. ألم تسخط على غياب إطار طبي يشرف على حالتي. اترك الأمر لله فهو الأرفق بعباده…
تحدث يا بني. قل شيئا. لا تجعل صمتك سوطا ينهال على ظهري. ألم يعجبك رغيف الخبز؟ لا تخف، لن تأخذني الشرطة إلى السجن. لم يرني أحد أسرق الرغيف من القمامة. بني ألم تستوعب بعد أنك أكلت خبزا مزوقا بالعفن؟
بني و كأني بك تذرف دمعا خجولا. ماذا قلت؟ تقول انك تفتقد لاخ يشاركك مرحك في هذه الظروف الحزينة. أنسيت يا بني يوم علا صراخ امك حين فاجأها المخاض عند قن الدجاج. ألم أسرع بها إلى أقرب مستشفى. سمعت صراخ أخيك حين لفظه رحم أمك نحو الحياة. أكدت لي حين دخلت للاطمئنان عليها أنه يشبهك. عذرا بني. لم أعد لك بأخ يؤنس وحدتك. أتذكر ماذا كنت احمل بيدي؟ انسيت؟ وهل أنسى فرحك حين رأيت ” الكرضونة” التي كنت احملها. انت ظننت أني احمل لك لعبة فيها. لكنك اكتشفت في المقبرة المجاورة أنها تحمل جثة أخيك الصغير.
لقد اضحكتني بني. كيف مات؟
كل بني الخبز ولا تكرر هذا السؤال لأن الوصول إلى القمر على القدمين أسهل من الإجابة عنه.
بني هل أعددت دروسك؟ ماذا قلت؟ اتريدني أن أغضب منك؟ الدراسة خط أحمر لا يجب التهاون معها. أعد على مسامعي ماذا قلت. آه فعلا انت محق نسيت أنك انقطعت عن الدراسة منذ سنتين. بل أنا من فرضت عليك هذا القرار. كنت سافتقدك يوم فاض الوادي وجرفك و انت عائد من مدرستك البعيدة جدا. لقد نجوت يومها بأعجوبة. لا لا أريد أن اخسرك يا بني من أجل دراسة ارهقت جيبي وتفكيري. لا أريدك أن تكون وليمة لذئب يعترضك ذات عودة. لا أريد أن أرى دما صادقا على كراسك يؤكد أنك حينها مستقرا في معدته وجبة شرهة.
لماذا تبكي بكل هذا الوجع؟ لا تقل لي أنك تذكرت أمك؟ أتذكر يا بني ذاك اليوم الذي فارقتنا فيه؟ آسف بني لم أقصد إفساد لذة الخبز بمرارة الفقدان. أتذكر ذاك المطر الذي هطل غزيرا حين أغلقت الباب فجرا نحو الحقول الفسيحة. أتذكر تلك القبلة التي طبعتها على جبينك ختما للآخرة التي استقبلتها بعد حين. أ تذكر يا بني تضاريس يديها الوعرة حين تمر على رأسك مهدهدة فتخدشك. عذرا بني. ساقاسمك البكاء لأني تذكرت ذاك المشهد المهيب. باب كادوا يحطمونه ليسوقوا لنا الخبر الحزين . هرولة بين الفيافي و القفار دون أن نعي للمطر دورا. اقتربنا من النهاية التي طالت أمك. أتذكر يا بني؟ أمك ماتت في حادث سير. لم تذهب هناك وحيدة يا بني. فقد رافقنها البقية اللاتي شاركنها الرحلة. ماذا قلت يا بني؟ أنت لم تعرف بعد ماهية الرحلة التي أخذت من كوخنا قبس النور. سأخبرك الآن بعد هذه السنين. كن صلدا يا بني كما الجبال التي تحضننا. تقبل مني الخبر دون جزع فأمك كانت تطعم الوطن لتأكل أنت العفن

Aucune description de photo disponible.
اظهر المزيد

Aymen Oueslati

محمد أيمن وسلاتي من مواليد 1982 مدون في موقع ميديا بلوس تونس

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق