مقالات رأي

الإمارات والسعودية ومصر “يهينون” التونسيين وإعلامنا “شاهد ما شافش حاجة”… بقلم ياسين الصيد

ميديا بلوس-تونس-عند الشدائد تعرف الأصدقاء.. الصديق وقت الضيق.. الصديق هو الذي يكون معك عندما يكون بإمكانه أن يتواجد في مكان آخر.. ويقول شاعر:

إذا اصطفيت امرأً فليكن شريف النِّجار زكي الحَسَب

فنذل الرجالِ كنذلِ النَّباتِ فلاَ للثمارِ ولا للحطب

والتعزية في الإسلام واجبة فهي من مكارم الأخلاق ووسيلة للتكافل الاجتماعي والتعاون بين الناس في المصائب كما أمر الإسلام المسلمين.

لكل ذلك حين تم الإعلان عن خبر وفاة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي توقع التونسيون أن يهب كل الملوك والرؤساء والأمراء العرب إلى تونس للوقوف إلى جانبها في مصابها الجلل وأن يؤدوا واجب التعزية خاصة أن تونس لم تؤذ أي دولة عربية على مر تاريخها وكانت دائما لا تتوسط إلا في الخير حتى عرفت بأنها اكبر مدرسة للديبلوماسية الناعمة.. وجاء يوم الجنازة وتطلعت أعين التونسيين ليروا من سيكون إلى جانبهم من قادة العرب ومن سيتجشم مشاق السفر إلى تونس ليكون في وداع رئيسها فلم يحضر إلا أمير قطر ورئيس الجزائر ورئيس فلسطين ورئيس حكومة الوفاق الليبية وجاء الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون وملك اسبانيا فليب السادس والرئيس البرتغالي مارسيلو ريبيلو دي سوزا وحضرت شخصيات أخرى وغاب عن الجنازة من لم ننتظر غيابهم من “اشقائنا” بل أمعنوا في إهانة تونس حين ارسلوا ممثلين من الدرجة الخامسة.. لئن نجد عذرا لغياب ملك السعودية لكبر سنه واستفحال مرضه، فإن الألم يعتصر قلوبنا من استهتار من تقدم نفسها على أنها “الشقيقة الأكبر” للعرب حين لم يحضر عنها مسؤول كبير كان يجب أن لا يقل عن ولي العهد محمد بن سلمان الذي هو الملك الفعلي للسعودية. لكن “الشقيقة الكبرى” كما تقدم نفسها، خافت على ولي عهدها من “حرارة الطقس” وخير رجلها القوي والحاكم بأمره فيها أن يتغيب عن الجنازة وأرسل بدلا عنه أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل ومجموعة من المسؤولين الآخرين، ممن لا وزن لهم في المملكة.

أما الإمارات والتي لم تنفك عن بث سمومها في تونس والسعي إلى “تدمير” مسارها الديمقراطي وإن بـ”أنهار من الدم”، فإن مسؤولها الأول محمد بن زايد غاب عن الجنازة وأرسل ليمثل دولته بدلا عنه حاكم أصغر امارة بها وهو حاكم الفجيرة حمد بن محمد الشرقي وكأن محمد بن زايد أراد أن “ينتقم” من المرحوم قايد السبسي لأنه لم يجاره في مخططاته لنشر الفوضى في تونس بل وافشلها وكان يمكن أن يحضر حاكم إمارة دبي محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء الذي اكتفى بالتعزية بتدوينة على “توتير” ولعل قوله في تعزيته تلك بأن “قايد السبسي قاد تونس في أحرج أوقاتها بحكمة وروية واقتدار” اثارت غضب محمد بن زايد وأمعن في “عزل” محمد بن راشد آل مكتوم ومنعه من حضور الجنازة وهو الواقع تحت سيطرة ابن زايد كما يعلم كل العالم ولا حول له ولا قوة أمامه.

ما يثير الاستغراب من “غباء” بن زايد أنه كان يمكن أن يستغل الجنازة وأن يحضر لمواساة التونسيين لـ”يجمّل” صورته البشعة وليعطي لـ”مريديه” في تونس و”القائمين” على مشاريعه التخريبية بها الفرصة ليبرروا “عمالتهم” لدولة “احترفت” الشر وتحالفت مع الشياطين لتدمير العرب من المحيط إلى الخليج ولم تتورع عن سفك دماء اشقائها بتخطيط من “دحلانها”.

لكن بن زايد صار لا يستطيع حتى اقتناص الفرص لـ”تلميع” صورته وإن بحركة رمزية لن تكلفه إلا سويعات معدودة يحضر فيها بتونس ليشارك في الجنازة. ولكن قلبه مات قبل أن يموت المرحوم قايد السبسي وصار “يحارب المعروف” و”يجاهر بالمنكر”.. جزار مصر لم يحضر هو أيضا جنازة المرحوم قايد السبسي لأنه لا يحضر إلا “جنازات” الديكتاتوريين والجبابرة وقد يكون أحس أن الألم سيعتصره حين يرى تلك الجموع الغفيرة من التونسيين الذين لم تردهم حرارة الشمس ولهبها المضطرم في يوم قائظ ليتزاحموا في الشوارع لتوديع رئيسهم بكل حب وتلقائية لأنه على يقين انه لو توفته المنية وهو في السلطة لن يسير وراءه إلا “الجنود” هذا إن تم تنظيم جنازة محترمة له وقد يتم إجبارهم على ارتداء ملابس مدنية لتكتمل اركان المسرحية وقبل ذلك يعلم أن من وصل إلى الحكم على ظهر دبابة لن يخرج منه إلا مطرودا بالدبابة ذاتها، إما حيا إلى السجن والمحاكمة أو ميتا منبوذا سيدفن بليل.

السيسي استنكف حتى عن إرسال مسؤول مدني.. لم يختر حتى وزير البيئة أو وزير في وزارة “هامشية” في بلد همش العسكر فيه كل شيء بل أرسل عسكريا استحدث له منصبا سينزعه منه حال عودته إلى القاهرة من تونس، إذ منح اللواء الذي كلفه بحضور الجنازة صفة مساعد رئيس الجمهورية وكأن مصر أمّ الدنيا “فريق كرة قدم” فيها رئيس ومساعدون له وكل العالم يعلم أن السيسي لم يعين نائبا له كما ينص على ذلك دستور مصر خوفا من أن تصيبه “نائبة” من أي نائب يعينه.. الضلع الرابع في محور الشر البحرين وان ارسلت وزير خارجيتها فان ترتيبه في هرم السلطة في المملكة هو الخامس إذ قبله يوجد الملك وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء.. قد يتحجج البعض بأن الكويت لم ترسل مسرولا رفيع المستوى إلا أن من حضر وهو الشيخ ناصر محمد الأحمد الجابر الصباح، رئيس الوزراء السابق هو الممثل الشخصي لأمير دولة الكويت وهي صفة رسمية له منذ سنوات عديدة وهو الذراع اليمنى لأمير الكويت.

ما يثير الحنق أن أغلب وسائل الإعلام في تونس أصيبت بالتخمة من “حليب الذل” الذي أرضعته لها الإمارات والسعودية وأذنابهما في تونس، إذ لم تشر لا بالتلميح ولا بالتصريح إلى هذا الاستهتار بتونس في مصاب جلل وأكدوا انهم لا يرون فيها إلا “مكانا للاستجمام” بل إن التلفزة التونسية التي غطت مراسم الجنازة حصريا لم تعط أمير قطر، وهو الوحيد من أمراء وملوك الخليج الذي تنقل إلى تونس ليقف معها في مصيبتها، حقه في أن تظهر صورته بل كانت الكاميرا تبتعد عنه أو تصوره من بعيد، في تواطؤ مكشوف ومفضوح مع “أذناب الإمارات والسعودية” حتى لا يعلم كل التونسيين أن أمير قطر يحترم تونس والتونسيين وأنه لا ترده مشاغل ولا شواغل ولا حرارة ولا أي مانع، آخر عن الوقوف إلى جانب “الخضراء” وأن يلقي نظرة الوداع الأخيرة على رئيس اعتبره بمثابة والده والمرحوم اعتبره بمثابة ابنه.

مصيبتنا في ابن زايد وابن سلمان والسيسي وملك المغرب وباقي الملوك والرؤساء ممن لم يحضروا جنازة المرحوم، أن هذا الأخير حين وفاته لم يكن رئيسا لتونس فحسب، بل كان رئيسا للقمة العربية التي استضافتها تونس في مارس الفارط ووفر لها كل أسباب النجاح وسعى خلالها بقوة إلى لم شمل العرب واعطاهم خارطة طريق تقدمهم وهي الديمقراطية والتنمية وحل الخلافات بينهم بالحسنى فهو رئيس كل العرب إلا أن من غابوا غابت عنهم هذه المعطيات بل غيبها عن عقولهم حقدهم على قايد السبسي نصير الديمقراطية ونصير الوحدة العربية ونصير القضية الفلسطينية الرافض للدبابات كوسائل للوصول إلى الحكم والمناهض لوصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب وخاصة المعارض بقوة لصفقة القرن التي يسعى “محور الشر” إلى فرضها على الفلسطينيين وعلى كل العرب ليضمنوا بقاءهم في عروشهم بحماية صهيونية.. ولذلك لم يعلنوا الحداد ولم ينكسوا الأعلام، بل اعتقدوا أن وفاة السبسي رحمه الله ستيسر لهم تطبيق مخططاتهم الخبيثة في تونس ناسين أن لها ربّ يحميها سخر لها شعبا واعيا راقيا في تفكيره تقويه المحن اكثر من المنح.

العيب من أهل العيب عادي ولا عزاء للأغبياء والشكر كل الشكر لأمير قطر ورئيس الجزائر ورئيس فلسطين ورئيس الحكومة الليبية ولبن زايد وبن سلمان والسيسي نقول انتم لم تراعوا شرع الله الذي يعتبر ان من حقوق المسلم على المسلم أن يسير في جنازته واحترمها رؤساء فرنسا والبرتغال وملك إسبانيا وأن غباءكم امتزج بحقدكم فانتج شخصيات مصابة بانفصام أخلاقي خطير بخلل ذهني لا شفاء منه ليس أدل عليه من أن السعودية اعتقدت أنها ستخفف من حدة الغضب الشعبي التونسي عنها لإرسالها شخصية منصبها الرسمي لا يعادل حتى مجرد وزير فأرسلت وزير داخليتها بعد ثلاثة أيام من دفن رئيس العرب وعميد قادتهم لكن بعد فوات الأوان معتقدين أن التونسيين سينسون اساءتهم لهم يوم الجنازة وصدق من قال إن “صداقة الجاهل هم” وهؤلاء بتصرفهم ذاك أثبتوا أنهم في حضيض الجهل وفي هوة سحيقة من الغباء لا مخرج لهم منها.

رحم الله الباجي عاش كريما ومات كريما ولم يحترمه في جنازته إلا الكرماء.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق