ثقافة

أليساندرو المخبول… مجاهد الأعور| رياض جراد.

ميديا بلوس-تونس-ما إن سيّجت تلك المساحة على حافّة طريق أليساندرو إلى العمل وانتصبت فيها تلك الشّواهد الأميّة، حتى انقلب هدوء يومه ضجيجا صاخبا، و صارت تعتريه حالة من الذّهول ، يحدّث نفسه و يحاور ذاته ممّا أثار سخرية زملائه العمّال في أوّل الأمر، ثمّ شفقتهم بعد ذلك…
هائما في شروده، كثيرا ما كان يفيق على صراخ أحدهم وهو يحذّره من الآلة الّتي تكاد تلتهم إصبعه، بعضهم نصحه بمراجعة طبيب نفسيّ… رغم أنّ تهامسهم بما يعتريه كان ينتهي إلى سمعه، إلّا أنّه لم يكن يهتمّ لما يقولون…
فابيانا هي الأخرى لاحظت ذلك ، وردّت ذهوله وعودته متأخّرا من العمل إلى حبّ امرأة أخرى… لقد تفطّن إلى نظرة الشكّ في عينيها و ملامح الحيرة حين تلقاه مساء… كان يعرف أنّها تتشمّم ثيابه بحثا عن عطر أخرى، و يعلم أيضا أنّها تفتّشها و تبحث في هاتفه علّها تجد أثر مرورها بجسده في غفلة منها ، لكنّه لم يكن يهتمّ لشكّها، ويكتفي بطمأنتها بكلمات مقتضبة تزيد من حيرتها…
حياة أليساندرو بسيطة جدّا …يغادر باكرا إلى عمله راجلا… يضع يدا في جيب معطفه ويناوب الأخرى مع شفتيه على الإمساك بسيجارة ينفث دخانها نحو السّماء الملبّدة بالسّحب، متلذّذا، كأنّه يساهم بما ينفث من صدره المعلول في تشكيل غيومها… تصفعه بعض أوراق الأشجار الّتي تتلاعب بها رياح أكتوبر، فتنتابه رؤيا الرّحيل المحتوم… فينتشي، لأنّه مازال على قيد الحياة وقيد العمل… إنّه قيد خلق …على طريقه القصيرة، يلتقي بائعة الورد الجميلة، فيرفع قبّعته لها، وجاره الثّقيل فيحيّيه باقتضاب، يمرّ بالكشك فيشتري جريدة وسجائر…على ناصية مقهى صغير ملاصق للمصنع، يحتسي قهوة صحبة العمّال ويتبادل معهم النّكات… مساء، يعود مسرعا ليلفي فابيانا بتقاسيمها الفاتنة ووجهها البشوش في انتظاره.
يحبّ أليساندرو اللّيالي المقمرة… فيتعمّد المشي ببطء والاستمتاع بسحنة القمر المبتسمة …أليساندرو رفض مشاهدة القمر بالتّلسكوب، لأنّه لا يقبل وجها آخر للقمر غير وجه تلك الفاتنة المبتسمة . قد يتوقّف قليلا، و يرفع رأسه ويناجيه كما يفعل مع فابيانا في حالات الصّفاء، لكنّ تلك اللّيلة انتشله من مناجاته صوت حوار خافت ينبعث من داخل تلك المساحة المسيّجة بشواهدها الأميّة :
_من أنت أيّها الوافد الأسمر الجديد ؟
_ اسمي محمّد.
اقترب أليساندرو من السّياج، دلف إلى داخل المساحة، ونظر في كلّ اتّجاه، فلم يلف لطرفي الحوار أجساما… اعتراه خوف شديد… قلبه الضّعيف الّذي أنهكه التّدخين يقرع صدره كأنه يهم بالخروج …ركض… ركض مسرعا لينأى عن المساحة المسيّجة بشواهدها الأميّة…
عند الصّباح، عاد أليساندرو إلى المساحة المسيّجة… نسي بائعة الورد الجميلة، فلم يرفع لها القبّعة، ولعن جاره ثقيل الظّل، وأهمل أمر الجريدة والسّجائر… قفز إلى داخلها… نظر في كلّ ركن، وفتّش كلّ المساحة… بحث علّه يجد آثارا تخبر عمّن تحدّث ليلة الأمس… لا شيء… سوى قبور تخبر عنها شواهد عليها أرقام… لا أسماء ولا تواريخ ولادة ولا وفاة… محض أرقام… مساحة مسيّجة، وكأنّ من سيّجها يخشى أن تهرب تلك الأرقام من قبورها… وتتسلّل إلى أوروبا…
أرهف السّمع، فتناهت إلى سمعه همسات، شعر بيد فابيانا تربّت على كتفه، وصوتها الحنون يسأله:
– ماذا دهاك أليساندرو حتّى تقف هنا؟
– أرهفي السّمع فابيانا إنّهم يتحدثّون، أنصتي إليهم… أصغي إلى هذا مثلا… إنّه يقول:
“أحدّثك عنّي… أنا مجاهد الأعور… قضيت كلّ عمري أحاول أن أخفي عن النّاس أنّني أعور واليوم صار كلّ ما أريده أن أثبت إنّني مجاهد الأعور وأن أحصل على متري تراب في ذلك المكان المنسيّ…
حياتي رتيبة ومتكرّرة مثل منبّه السّاعة القديمة، أعيد يومي كلّ يوم، بعد أن كانت حياة صاخبة. حدث هذا التّحوّل فجأة… فقد صارت حياتي خطّا دائرياّ مغلقا، منذ تركت الجامعة عائدا إلى قريتي المتروكة في بطن الوطن، بعيدا عن أعين الحضارة، محمّلا بشهائد تحمل الختم الحكوميّ، تشهد بأنّني صرت كفؤا في مجالي، بعد أن اختبر أساتذتي طاقاتي الذّهنية، وخاصّة جلَدي و اصطباري على المحن كأنّهم قدّروا مسبقا ما سيحصل لي، وأقرّوا بنجاحي في تحصيل علوم الحياة. لكنّني في الحقيقة لم أنجح فعلا، لأنّني لم أفهم أوّل الدّروس. إذ كيف لسلطة مراوغة أن تصدر شهائد محكّمة موثوقا بها؟، وقد عبّرت عن سوء إضمارها تجاهي منذ يومي الأوّل خارج أسوار الجامعة، إذ ركنتني وشهائدي، على رفّ قريتي المنسيّة ببطن الوطن، تلك القرية الّتي تواطأت مع كلّ من نسيها، فلم تستطع أن تردّ الفعل إلّا إزاء موتاها، فأطلقت اسم “المقبرة المنسيّة ” على تلك البقعة المتروكة، حيث يرقد موتاها.
كلّ يوم، أجترّ نفس الأحداث وأقوم بنفس الأعمال، إن حقّ لي أن أسميّها أعمالا… قبل أن أغادر مرقدي، يلحّ على ذهني ذات السّؤال: إلى أين يا مجاهد ؟!! وأستحي أن أنادي نفسي بالأعور، أرتدي ثيابي في تأنّ، وألتقط بعض الدّراهم وضعتها أمّي قرب وسادتي، لتحقن ما تبقّى من كرامتي.
ألقي في بطني على عجل ما أجده على دكّة المطبخ ،فكلّ ما أطعمه صار متشابها مغمّسا بمرارة العجز، وأغادر متأنيّا بعد أن أضع نظّارة سوداء على عينيّ كي لا أدعى الأعور، رغم أنّ كلّ ما أصبو إليه اليوم، هو أن يعرفني أحدهم، فيصرخ في وجهي… أعرفك!أعرفك ! أنت مجاهد الأعور…
سجائر خمسة، هي كلّ ما أستطيع شراءه بدراهمي من تاجر قميء، وكأس شاي قذر على ناصية مقهى القرية الوحيد…
مقهى مكوّن من كراسيّ معوّقة الأرجل و طاولات ذهب التّراب ببياضها، نادلها يعرف كلّ زبائنه و حفظ طلباتهم …يمسك كأس الشاي بيده المسودّة من علاج الفحم، و يضعه على الطّاولة… فلا أكاد أميّز بين أصابعه والكأس… أقضي يومي جالسا، أفكّر في جدوى علوم الحياة، والحياة هجرت هذا الرّبع الباهت، وتأبى أن تعود إليه، وأسمع حديث السّياسة الّذي يخوضه روّاد المقهى، وقد انقسموا بين رسول السّماء ورسول الإنسانيّة ورسول الفقراء… يعلو النّقاش ويحتدّ، كلّ يزعم صدق صاحبه… وحدي كنت أعرف أنّ تلك النبوء

النبوءات كاذبة… كلّهم يكذبون…
اقترب منّي النّادل يوما، وقال:
– هاجر يا أستاذ! هذا الرّبع سيقتلك وستحجز لك مكانا مع المنسيّين.
جمعت شتاتي… ولملمت أشلاء كلّ ما حفظته من أغان و قصائد تتغزل بالموطن والوطن… وجعلته داخل صندوق، وأقفلت عليه من الأقفال سبعا، وصرخت بوجه السّماء” سأرحل عنك أيّها الوطن! سأبحث عن مكان فيه حياة، ويحتاج علما للحياة !…”
باعت أمّي قطعا من مصوغ كنزتها لأجل رحيلها إلى المنسيّين… وترجّت أخاها الميسور أن يقرضها المال لهجرتي… أعطاها ما طلبت مشفقا من دموعها، ساخطا عليّ، فقد أسرّ لي أنّه فعل ذلك رأفة بها، لأنّه يعلم أنّ من يهاجر لا يعود…
كنت دائم النّظر إلى الأفق، أبحث عن نور متصاعد إلى السّماء، لأنّ بلاد النّور الساطع يشرق منها كلّ شيء، وأنا مجاهد الأعور أحتاج كلّ النّور، لكنّني اليوم، لا أحتاج غير من يعرف أنّي ذلك الأعور، من بلد المنسيّين… ركبت كغيري القارب ليلا مع من كان مثلي باحثا عن النّور …قاربا سرعان ما طوّح به الموج، وألقانا لقيمات سائغات لمياه البحر… رفعت عينيّ إلى السّماء فرأيته… نوري، نجما ساطعا، ثبّت بصري عليه، وسلّمت رئتيّ لملح البحر… انتفخ جسمي، وضاقت به ملابسي، صار لوني أزرق أدكن من ماء البحر… انفجر جسمي، وتفتّت لحمي، حتّى عيني العوراء فقئت…
حكومتي الكاذبة كعادتها لم تهتمّ للأمر… وعندما أخبروها عنّي، قالت كما قالت عندما طلبت شغلا…”ليس لديّ مال لأتحقّق منه جينيّا”… وقالوا كذبا كما تعوّدوا “المال المتوفّر الأحياء أولى به” …أسندوا لي رقما، ودفنوني مع من لا شاهد لهم… أرجوك يا أليساندرو! أخبرهم أنّي مجاهد الأعور وجئت من وطن الخديعة… إنّ روحي تشتاق المنسيّين…”
عند المساء، وفي كلّ مساء، شاهد النّاس أليساندرو المخبول في كلّ الحانات يعتلي كرسيّا… ويقول صارخا في الروّاد:
– أيّها السّادة تبرّعوا كي نعيد مجاهد الأعور وكلّ أعور إلى ديار المنسيّين!”

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق