ثقافة

كلمات في رحاب سعد الله ونّوس: المثقف صوت يَجهر بالحقيقة في وجه القوة…/ نعوم تشومسكي.

ميديا بلوس-تونس-في كل الأزمنة، وفي كل الأمكنة هناك ثقافتان: ثقافة وظيفية، وثقافة غير وظيفية، ومن ثمّ هناك مثقفان.. مثقف وظيفي (…) ومثقف غير وظيفي يقع على طرفي نقيض مع المثقف الوظيفي، التجاري، الخانع، المداهن، الغنائمي والانتهازي… وينحاز (المثقف غير الوظيفي) إلى الحق والحقيقة والخير والعدالة والحرية والجمال وكرامة الحياة والأوطان، ويدافع عنها بثبات وحزم واقتدار… والمبدع المثقف الحَيَوِيّ (سعد الله ونوس) قدوتنا في هذا المقام، ومثالنا الذي يُحتذى به…
إنّ الثقافة لدى سعد الله ونّوس (وهذه مسألة تحتل من الأهمية حدّها الأقصى في نظرنا وهي عند سعد الله ونوس بمنزلة العمود الفقري) لم تكن وظيفية ، أيْ أنّ هذه الثقافة لم تكن موظّفة في خدمة السلطة ، ولم تكن مؤسسة على أساس الاندماج في الأنظمة السياسية الحاكمة والانخراط في مقولاتها وعقائدها ومشاريعها وامتيازاتها ومصالحها وخياراتها على الصعد كلها ، كما لم تكن مفصّلة على قياس الحكام والسلاطين والملوك والأمراء والزعماء والجماعات والتنظيمات والمؤسسات ، بل نستطيع أنْ نتقدم خطوة إلى الأمام ونقول: إنّ الثقافة لدى سعد الله تناهض الثقافة الوظيفية ، والمسافة الفاصلة بين سعد الله وثقافته وبين الأنظمة التسلطية وتجلياتها هي مسافة شاسعة دونها مسافات ، فالثقافة (الونوسية) عملت عبر إبداعات سعد الله وكتاباته على تنبيه الوعي وبعثه وعلى فضح كل أنواع الاستبداد وأشكاله ، كما عملت على تعرية كل مفردات الأنظمة التسلطية ، ومابرحت الثقافة غير الوظيفية تناوش هذه الأنظمة التسلطية وتكشف أقنعتها وآليات قمعها .. وسعد الله ونوس _ من قبلُ ومن بعدُ _ كان من المثقفين الحقيقيين القلائل الذين بقوا حتى لحظة رحيلهم أوفياء وفاء مطلقاً لكلمتهم ، وأعطونا ، عبر مسيرتهم الثقافية والإبداعية ، مثالاً يحتذى في الكرامة الفكرية والأخلاقية ، وهدموا بيد مباركة ذلك الجدار الملعون الفاصل بين الفكر المعلن والفكر المعيش ، وإلى هذا وذاك فقد كان سعد الله ونوس طاقة إبداعية فذّة استطاعت باقتدار مميز أنْ تجمع بين الفكر والفرجة في وحدة فنية خلاقة عضوية لا انفصام فيها بعيدة كل البعد عن أي مراوغة أو مجاملة أو مداورة أو مهادنة أو مخاتلة .. أسقطت جميع أشكال الأقنعة وساعدت المتفرج على فهم ذاته ووجوده وعالمه وواقعه.. وعملت على إيقاظ الوعي لدى هذا المتفرج ووضعته في مواجهة مفتوحة مع ذاته ووجوده وعالمه وواقعه السياسي والاجتماعي والثقافي … ‏
لقد كانت العلاقة القائمة بين سعد الله ونوس وبين مسرحه علاقة صميمية حميمة احتراقية ، بل كانت ؛ أي العلاقة بينهما بمنزلة الروح من الجسد والجسد من الروح ، وعلى ضوء هذا الاحتراق النبيل ، وهذه العلاقة العشقية حتى الموت كتب سعد الله عنا ولنا ، وأبدع ما أبدع من أجل غدٍ حرٍّ كريم عادل ، متقدم وحضاري.. يقول « جيور دانو برونو » : مع أننا قد لا ندرك قط الهدف الذي تشوقنا إليه ومع أن شدة الجهد قد تلتهم النفس ولا تبقي منها شيئاً ، فإنه يكفي أن تحترق بمثل هذا النبل .. وحسب سعد الله هذا الشرف…
وبعد…
بأدب جَمّ سأعيد نشر (كلمات سعد الله ونوس) لأنها الحق، الحقيقة.. ولأنها لسان حالي الذي لا شبهة فيه:
إن المدجنة الحقيقية التي تفرّخ الجماعات الإسلامية هي الأنظمة العسكرية و المستبدة. فهذه الأنظمة التي خنقت روح الشعب و أغرقته بالشعارات و بالرعب، و فاقمت مشكلاته بالتبعية و النهب، هي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة و المهمشة إلى حلول طوباوية، و إلى ردود فعل يائسة.
فحين يُخيّر إنسان مقموع و منهوب بين إله أرضي يقمعه و ينهبه و يفرض عليه فوق ذلك عبادته، و بين إله ديني يعده بالخلاص و المثوبة، فإن من الطبيعي أن يفرّ من زنازين الأرض إلى فضاء السماوات.
و أنا أدرك المغزى الاحتجاجي الذي ينطوي عليه ظهور هذه الجماعات، لكن فقر وعيها و أساليب العمل التي يمليها هذا الوعي الفقير، يجعل هذا الاحتجاج خلبياً؛ و يُعيد إنتاج الواقع الرثّ بدلاً من أن يغيره.
فإذا حددنا أن أبرز بواعث هذا الاحتجاج هو استبداد السلطة من جهة، والتبعية التي تخترق كل مستويات المجتمع من جهة أخرى، فإن مناهج هذه الجماعات في الفكر و العمل، إنما تقوي هذين الوضعين، و تتقاطع معهما.
سعدالله ونوس- الثقافة الوطنية و الوعي التاريخي

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق