أخبارثقافةمقالات رأيوطنيّة

محمّد بن مذكور رجل السّبحة والبندقيّة (1861-1916).

ميديا بلوس-تونس-من خلال كتاب ” من الصّعلكة الشّريفة إلى البطولة الوطنيّة” للدّكتور فتحي ليسير (كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس 1999) ص 140-169
يبدأ الكاتب مقاله بسؤال “لجوج” يقول:” لماذا لم ينل هذا المقاوم الّذي تصدّى “للنّصراني حتّى آخر سهم في كنانته” (كما قيل عنه) الشّهرة الّتي نالها غيره من المقاومين في جهته؟ بعبارة أخرى لماذا لم يحتف التّراث الشّعبيّ بالجنوب التّونسيّ بأخبار هذا الرّجل ومواقفه على غرار احتفائه ببطولات أبناء عبد اللّطيف من أولاد دبّاب وعمر الغول وسعد فريعيس ونحوهم”
ولا يسعني إلاّ أن أتساءل أنا أيضا عن بقاء هذا الفارس المقدام والشّاعر البليغ والشّيخ العابد الورع في ظلّ النّسيان وكيف لم تحتف تطاوين بهذا العلم باعتباره أحد أكبر رموز المقاومة في القطرين التّونسيّ واللّيبي حتّى منتصف القرن الماضي، وأشدّ المقاومين إيلاما للعدوّين الإيطالي والفرنسي. ولكنّني لن أخوض في أسباب هذا الإهمال لأذكّر بأنّ هذه الجهة لا تعرف كيف تستفيد من رموزها ولا كيف تحفظ تاريخها وتبني مجدها ولنا في التّاريخ المحلّيّ شواهد كثيرة يضيق المقال عن ذكرها.
ولد محمّد بن يحي بن مذكور حوالي 1861 بقلعة أولاد شهيده (20 كم شرقيّ تطاوين) وترجع أصوله إلى حيّ أولاد سبعة من قبيلة المحاميد الطّرابلسيّة. تزوّج عام 1885 ورزق سبعة أبناء: أربعة ذكور (يحي ومَحمّد وغومه ومُحمّد) خاض ثلاثة منهم عددا من المعارك إلى جواره، وثلاث إناث. عاش محمّد بن مذكور حياة البدو مكتفيا بما يحصل عليه من تربية الماشية وحرث الأرض ولم يعرف عنه مشاركته في الإغارة (الغزي) على القبائل اللّيبيّة المجاورة بفضل ما عرف عنه من الورع والتّقوى. وقد أورد الأستاذ فتحي ليسير بيتا رأى فيه إشارة إلى أنّ الرّجل كان يمتلك “الهناشير” من خلال بيت قاله في “هيئة وصيّة توجّه بها إلى ابنه يحي قبيل التحاقه بطرابلس الغرب سنة 1911:
ونُبغيكْ لا طقْ الحَلَقْ زَيّاره *** ارْقِبْ هناشيري وفُوق ظنوني
ويبد أنّ الأستاذ ليسير قد “تعسّف” على معنى كلمة “هناشير” ظنّا منه بأنّها تفيد امتلاك بن مذكور للهناشير والحال أنّ المعنى المجازي أقرب للفهم وذلك من خلال سياق القصيد الذي يدعو فيه الرجل ابنه للسّير على منهاجه وتجاوز بطولاته التي هي “هناشيره” أي مفاخره وذكره بين النّاس.
شهد محمّد بن مذكور بداية انتصاب المحتلّ بمنطقة ذهيبة التي دنّسها بعد أن كانت فضاء رحبا ينعم فيه النّاس بحرّيهم متنقلين بين طرابلس وتونس دون حدود أو موانع و في ذلك يقول:
أَيّامْ كُنتِ ترِعْبِي يا قاعهْ ** واليومْ فيكْ الكلبْ مدّ كراعًهْ
كنتِ دُوله ** بلاد خاليه وتنوض فيك الغوله
واليومْ ولّيتِي مقيلْ بغُولَهْ ** في كلّ ظهره دايرين مراغَهْ
أهمّ المعارك التي ثبت بحسب المؤلّف مشاركة محمّد بن مذكور فيها: (بالأراضي الطّرابلسيّة)
– معركة جبل المَرقَبْ بمنطقة الخمس (27 فيفري 1912)
– معركة بوكمّاش بزواره (23 أفريل 1912)
– معركة سيدي سعيد، زلطن (26-28 جوان 1912)
– معركة سيدي علي، زواره (14 جويلية 1912)
– معركة رقدالين، زواره (15 أوت 1912)
– معركة العزيزيّة (16 نوفمبر 1912)
– معركة الزّاوية (4 ديسمبر 1912)
– معركة الزّنتان (5 أفريل 1913)
– معركة جادو (6 أفريل 1913)
– معركة نالوت (12 أفريل 1913)
– معركة غدامس (27 فيفري 1913)
بينما له مشاركة في أغلب المعارك التي وقعت في الجنوب التّونسي مثل معركة المرطبة (13 سبتمبر 1915) وأم صويغ (2-9 أكتوبر1915) وذهيبه (18-25 جوان 1916) ومعركة رماده التي استشهد فيها هو وابنه يحي (26 جوان 1916) وقد اقترنت فاجعة وفاته بما كان النّاس يلاقونه من شظف العيش بسبب انحباس الغيث وهزال الأغنام وموتها جوعا حتّى أنّ النّاس كانوا يأكلون “الفكريس” وهو “جمّار” النّخل فسمّي عام 1916 بعام “الفكريس”
رحم الله شهيد الوطن محمّد بن يحي بن مذكور الشّهيدي ورحم جميع شهداء الوطن. ترك الرّجل تاريخا مليئا بالمفاخر والبطولات كما ترك ديوانا شعريّا تناقله الرّواة لما فيه من الحكمة والبلاغة.
هذه صفحة من صفحات نضال أبناء هذه الجهة تذكر رجلا فذّا ومقاوما للإستعمار شرسا قصّرنا، ولاشكّ، في إيفائه ما يستحقّ من الذّكر والقدر.

تحقيق الضاوي موسى

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق