إصدارات جديدةثقافة

النقد ما بين الحداثة وما بعد الحداثة، لمؤلفه إبراهيم الحيدري.

ميديا بلوس-تونس-لقد اعتدنا في سنوات سابقة بعيدة، إن لحظة صدور (كتاب جديد) تعني أن حدثا ثقافيا كبيرا قد وقع من شأنه أن يضيف ما هو جديد الى ثقافتنا العربية، بعكس ما يحدث في السنوات الأخيرة القريبة مع الأسف، إذ لا نجد غير سياسة (الاستسهال) في إصدار وتأليف كتاب جديد. إصدار وتأليف الكتاب تلو الكتاب بقدرة قادر ومن دور نشر ما انزل الله بها من سلطان خاصة أو عامة، لأن الهدف هو التكسب المادي لا غير، طالما ارتبط هذا الهدف بإرضاء شهوات (مراهقية التأليف) وترميم نزوات ذاتية تعاني مركب نقص سايكولوجي لدى أصحابها لدرجة أن لا وجود دار نشر أحيانا لأن الطباعة والتنضيد والتجليد صارت (بيتوتيه) ولا تكلف الشيء الكثير سوى توريم وتسخيم الأوراق البيضاء المسكينة بسطور سوداء محكوم عليها بالموت منذ لحظة كتابة الإهداء على الصفحة الأولى من الكتاب المولود ميتا مع الأسف حتى صفحة الكتاب الأخيرة المفخخة بسيرة المؤلف وانجازاته الموهومة… لا حدثا مهما هناك، ولا إضافة نوعية تضيف للثقافة. إنه اليباب الجديد… إنه الهوس القادم من مدن الخراب.

في ذلك الزمن البعيد كانت دور النشر بحق هي دور نشر معروفة ومرموقة بموضوعية إصداراتها وسمعة خبرائها والمشرفين عليها سواء كانت حكومية مؤسساتية أو أهلية… وكان مؤلف الكتاب لا يجرؤ على الإقدام إلى تأليف كتاب إلا بعد خبرة ودراية ثقافية في تخصصه الثقافي أو العلمي والإنساني… بل أن مجرد فكرة إصدار كتاب كانت – وإلى الآن لدى القلة القلية الباقية – تشكل قلقا ثقافيا وهما إبداعيا يأخذ من زمن ووقت الشخص الكثير حتى يتوصل لى إقناعة تامة بإصدار مطبوعه البكر أو الجديد، لان الكتاب هو الإرث الباقي لك بعد موتك وفنائك الأبدي… فلا يتبقى من الشخص سوى كتبه في النهاية، فإما خلود مبهر وكبير أو فلتذهب المؤلفات برمتها الى الجحيم.

لكن يبدو أن مؤلف الكتاب (موضوع مقالتنا هذه) عاد بنا -وبجدارة- إلى ذلك الزمن البعيد، زمن الإصدار الجديد للكتاب (الحدث) بوصفه حدثا ثقافيا مهما وملفتا للمشهد وللساحة الثقافية العربية عموما، إنه المؤلف (إبراهيم الحيدري). فبعد أن أتحفنا قبل سنوات بحدثه الثقافي، إصدار كتابه (تراجيديا كربلاء – سوسيولوجيا الخطاب الشيعي) في طبعته الأولى عام 2002 عن مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، يتحفنا اليوم والمكتبة العربية بحدثه الثقافي الجديد، إصدار كتابه الجديد والموسوم (النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة) في طبعته الأولى 2012 عن دار الساقي، مؤكدا – أي الحيدري – تضاده وبجدارة مع سياسة الاستسهال في التأليف والنشر، ومعيدا للكتاب/ الإصدار الجديد هيبته ومكانته الذي يحاول الكثيرون طمسها مع الأسف في زمننا الثقافي الحالي.

يقول المؤلف ابراهيم الحيدري في مقدمة كتابه: “إن ما نهدف اليه في هذا الكتاب هو رصد المفاهيم والنظريات والاتجاهات النقدية في مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة ومحاولة توضيح الخلط والالتباس في المصطلحات والمفاهيم بين الحداثة وما بعد الحداثة، وبين التحديث والمعاصرة، وطرحها للمناقشة والتفكيك والنقد ومن أجل نشر وتداول فكر تنويري يتسلح بادوات التفكيك والتحليل والنقد والتساؤل والمراجعة والتدقيق والمحاكمة وتحريك الذهن ودفعه في مغامرة البحث والتقصي ونقد ما هو غريب ومجهول ومحرم ومخفي وممنوع”.

ويضيف: “إن هدف هذا الكتاب هو محاولة لاعادة الاعتبار للروح النقدية العقلانية وقيم التنوير, انطلاقا من ان النقد هو المحرك الاساسي لعملية التطور والإبداع والتغيير الاجتماعية آملين ان يسد الكتاب الفراغ الكبير في المكتبة العربية.”

ونحن إذ نشاطر الحيدري رأيه في هذا الفراغ مضيفين الحاجة الحقيقية لمثل هذا الكتاب الآن نتيجة الفجوة النقدية المرتبكة مفاهيميا تلك التي يمر بها المشهد النقدي العربي وهذا الخلط والتداخل الاصطلاحي واللامنهجي في تراكيب اللغة والنقد العربي (الحداثوي) و(ما بعد الحداثوي)، نصل لدرجة عدم الفرز والتفريق بين الأول والثاني في التنظير أحيانا أو التطبيق أحيانا كثيرة.

برغم من كل ما تم تقديمه من مشاريع ونظريات نقدية عربية أوجدت لها فسحة من الانتشار ولو لزمن قصير، إلا أننا – وبحسب الحيدري – ما زلنا بحاجة إلى مشروع نقد أدبي وثقافي واجتماعي وسياسي مهمته ممارسة نقد جذري يهيىء الوعي بأهميته وفاعليته وتأثيره في عملية التواصل والتفاهم والحوار، وهو مشروع يستدعي ثورة عقلانية تنويرية تساعدنا على تجاوز حالة العجز والركود الثقافية والتفاعل الإيجابي مع الثقافات الأخرى ومواكبة التيارات النقدية الحديثة والانفتاح على المكونات التي تدخل في صياغة الوعي الاجتماعي والثقافي وتأهيل الفكر لممارسة النقد بحرية.

اشتمل الكتاب على سبعة فصول إلى جانب المقدمة والملاحق. الفصل الأول جاء بعنوان (الأصول الاجتماعية والثقافية والفلسفية لمفهوم النقد) فبعد التعرض لمفهوم النقد اصطلاحا ومفاهيميا استعرض المؤلف الإرهاصات النقدية الأولى في الفكر اليوناني، منتقلا إلى النقد في الفكر الاجتماعي والفلسفي في الإسلام، وموضحا لعلم الكلام والمجتمع: بدايات الحركة التنويرية، وإلى أين”أدى النقد في الفكر والفلسفة العربية الإسلامية دوره المهم من خلال الجدل في بعض القضايا الإيمانية كمشكلة خلق القرآن الذي تطور لدى المعتزلة وافكارهم العقلانية إلى جانب النقد الأدبي والعلمي الذي تطور مع ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في العصر الوسيط.”، ومحاولا الإجابة على التساؤل الكبير والمتداول زمنا وإلى الآن: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟ لينتقل بالحديث مباشرة عن النقد في عصر النهضة الأوربية وعن ملامح التفكير الاجتماعي والفلسفي في عصر النهضة، ثم عن حركات الاصلاح الديني، ليختم هذا الفصل بالصراع بين العلم والكنيسة.

بداهة لا يمكن مطلقا في هذه السطور المجتزئة والترويجية للكتاب، الوقوف عند كل شاردة وواردة خوفا من عدم إحقاق ما ينبغي احقاقه موضوعيا، إلا أننا نسعى هنا إلى إحاطة القارىء الكريم بمحتويات الكتاب بالقدر الممكن إيمانا منا بأهمية الكتاب برمته.

الفصل الثاني جاء بعنوان (عصر التنوير والحداثة) مبينا المؤلف انقلابية عصر التنوير، وما هو التنوير؟ وما ملامحه الرئيسة؟ ثم التوقف عند نظريات العقد الاجتماعي وصولا إلى (الحداثة) والنقد الفلسفي عند (كانت) وهيغل.

أما الفصل الثالث وعنوانه (النظرية النقدية محاولة لفهم العالم وتغييره) بحث فيه المؤلف “عن نشوء وتطور النظرية النقدية في علم الاجتماع والثقافة والفلسفة التي اتخذت فيما بعد اسم مدرسة فرانكفورت وارتبطت باسمي هوركهايمر واودورنو اللذين سبقا غيرهما في نقدهم للفكر الاجتماعي والفلسفي التقليدي وانتقالهما من نقد الفكر الى نقد المجتمع ومؤسساته” وصولا الى النظرية النقدية اليوم، في نقد وتقويم علمي وموضوعي بارز.

(رواد مدرسة فرانكفورت) هو عنوان الفصل الرابع من الكتاب, وهم: ماكس هوركهايمر مؤسس النظرية النقدية، وادورنو فيلسوف القرن العشرين، وماركوزه المرتبط اسمه بفلسفة الرفض, واريك فروم وفالتر بنيامين ويورغن هابرماس، لنصل الى الفصل الخامس الموسوم (الحداثة وما بعد الحداثة) مبتدئا بالسؤال المهم: ما الحداثة (Modernity)؟ الذي “يشير – أي المصطلح – بوجه عام إلى سيرورة الاشياء بعد أن كان يشير إلى جوهرها ويفرض صورة جديدة للإنسان والعقل والهوية تتناقض جذريا مع ما كان سائدا في القرون الوسطى”، شارحا المؤلف بعد ذلك المبادىء الاساس التي تقوم عليها الحداثة كالعقلانية والتنوير والتقدم الاجتماعي. مثبتا عنوانات أخرى مثل: الفلسفة وما بعد الحداثة، والفلسفة الوجودية وآباء ما بعد الحداثة ثم الحداثة الثانية، وما هي التفكيكية؟ متوقفا عند ميشيل فوكو وجيل الاختلاف، ثم عند نقد ما بعد الحداثة والعولمة وحوار الحضارات.

في الفصل السادس (الإسلام والحداثة) ينطلق المؤلف من أهمية عصر النهضة في العصر الإسلامي الوسيط الذي وضع أسس مشروع تحديث وتنوير وتقدم اجتماعي طارحا إشكالية الفكر الاجتماعي والفلسفي النقدي. كذلك الفكر المعتزلي ومستوياته الدينية والعلمية والتجريبية، إذ شكل “العرب والمسلمون آنذاك مرجعية فكرية أغنت الثقافة الأوربية عن طريق ترجمة امهات الكتب العلمية والفلسفية الى اللغة اللاتينية.”

ويقول المؤلف في هذا الصدد: “وقد حاول العرب من جديد صياغة مشروع اصلاح وتحديث قادر على مواجهة التحديات للخروج من مأزق التخلف الحضاري فنشأت عن ذلك ثلاثة تيارات رئيسة: الأول التيار الديني الذي نادى بالعودة إلى الإسلام الأول وتوحيد المسلمين في أمة واحدة، والتيار الليبرالي الذي ضم القوميين العرب الذين نادوا بالوحدة العربية بديلا للخلافة الإسلامية، والتيار التقدمي الذي نادى بالاشتراكية حلا للتخلص من الاستبداد والتخلف ونشر العدالة الاجتماعية. وكان في مقدمة رواد النهضة الطهطاوي والأفغاني وعبده والكواكبي وغيرهم.”

وفي الفصل السابع والأخير تم البحث فيه عن الحداثة وإشكالية الخطاب النقدي في العالم العربي متسائلا المؤلف: هل يقوم العرب بدورهم في التفكير النقدي التحليلي المستقل عن اية سلطة معرفية ويأخذون زمام المبادرة في صيغ نقدية جديدة والمشاركة الفاعلة في الأفكار والنظريات والمناهج النقدية المعاصرة؟ لينتهي الكتاب بملاحق معمقة ومهمة كأطروحات نقدية لهوركهايمر وادورنو عن (جدلية التنوير) و(الحضارة والمدنية) ثم رؤية نقدية لمفهوم علم الاجتماع. لينتهي الكتاب بالمصادر والمراجع العربية والأجنبية، ومن ثم فهرس الأعلام وآخر للأماكن. الكتاب من الحجم الكبير، عدد صفحاته 591 صفحة، وهو كتاب جدير بالقراء.

تحقيق عماد خالد رحمة

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق